ما حكم الوظائف في الحكومات الطاغوتية مثل الحكومة السورية الحالية ؟
نؤمن بأنَّ العمل في الوظائف الحكومية الطاغوتية : في النظام التشريعي أو القضائي أو التنفيذي على حد سواء كفر أكبر ، وذلك يشمل جميع وزاراتهم وتوابعها من مؤسسات الدولة ، فإنها أركان دين الطاغوت وعماد ملته وقلعته الحصينة .
وذلك من وجوهٍ :
الأول : الدخول في ولاية الطاغوت وموالاة أعداء الدين ، ويتجلى ذلك في كونه جندياً عند الطاغوت .
قال تعالى : { اللَّهُ وَلِىُّ الَّذِينَ ءَامَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خالِدُونَ } [ البقرة : 257 ]
قال عزَّ وجل : { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِى الْقَوْمَ الظّالِمِينَ }[ المائدة : 51 ]
وعُمَّال الطاغوت كما في وضع الحكومات الحالي هم جنوده ، والجنود لغةً وشرعاً : هم الأعوان والأنصار ، وهم في الحال المذكور أعوان الطاغوت وأنصاره على أمره من الحكم بشرع الطاغوت وتحكيمه والتحاكم إليه وإلزام الناس به ، ومعاداة أعدائه سواءٌ في النظام القضائي أو التنفيذي أو التشريعي ، أو قوات الدفاع التي تمثلها وزارتا الدفاع والداخلية عادةً ، فيصدق في العُمَّال على هذا الوجه المدنيين والعسكريين على حد سواء مثل قوله تعالى : { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خاطِئينَ }[ القصص : 8 ]
وغيرها من الآيات في عدم التفرق بين التابع والمتبوع ، وتتنزل في حقهم آيات المولاة المعروفة .
الثاني : الحكم والتّحاكم والتحكيم لغير شرع الله تعالى .
فعُمَّال الطاغوت يقومون بالحكم بشرع الطاغوت ودستوره والإعانة على ذلك ، وبالتّحاكم إليه بل وإلزام الناس بذلك ، فيعمُّهم قوله سبحانه : { وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ }[ المائدة : 44 ]
وقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً }[ النساء : 60 ]
الثالث : الطاعة وقبول الأحكام من غير الله ؛ فهو قد أتخذ مطاعاً مع الله على وجه لا ينبغي أن يكون إلّا لله ، فمصدر التلقي عنده هو غير الله ، فدخل في طاعتهم ودينهم مُختاراً يأتمر بأمرهم وينتهي بنهيهم مُتَّبعاً لملَّتِهم ، ويقوم بتنفيذ أوامرهم ونصرة دينهم ويحرص على أداء ذلك امتثالاً لأحكام الدستور لا يتخطَّاها أو يتعدَّاها ، يعمل بها ويُحاكم إليها .
قال تعالى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }[ الأنعام : 121 ]
وقال سبحانه : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لَّا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ }[ التوبة : 31 ]
وقال جلَّ جلاله : { إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ (25) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) }[ محمد : 25 الى 26 ]
ولا يستثنى من هذا الحكم أحدٌ من عُمَّلِهم حتى خطباء وأئمة المساجد العاملون في وزارة الأوقاف الطاغوتية ، بل إنَّ هؤلاء أشد كفراً من غيرهم لكونهم يعطون الصِّبْغَةَ الشرعية للحاكمين بغير شرع الله بعملهم هذا .
وتجتمع هذا الوجوه في عُمَّال الطاغوت كُلِّهِم أو جُلِّهِم .
فمن زعم جواز العمل بالصورة المذكورة آنفاً أو قال بعدم تكفير العاملين المذكورين فهو كافر .
ومثله في الكفر من فرق بين نوع وآخر ؛ كالتفريق بين جنود الطاغوت من عساكر ومدنيين ، أو إباحة وتجويز ما يسمُّونه بالوظائف الحكومة الخدماتية : كعمل الأطباء والممرِّضين وموظفي البلديات ونحوهم .
فإنَّ كل الوظائف قامت وفق تشريعات دستورية ، والعياذ بالله ، وأنَّ كل موظف لن يُقبل في الوظيفة إلّا وفقها أيضاً ، ولن يعمل إلّا بما تُمليه عليه .
قال تعالى : { وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبَادِ }[ الزمر : 17 ]
وقال سبحانه : { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ }[ النحل : 36 ]
🔷 ومن الناس من يبيح تقلد المناصب في حكومة الطاغوت ، مستدلين بعمل يوسف عليه السلام ؛ ومنهم من يبيح أعمال دون أعمال وكذلك مستدلين بعمل يوسف عليه السلام .
نرد عليهم مستعينين بالله تعالى :
فنبدأ القول بقول الله تعالى : { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسألُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ }[ البقرة : 134 ]
تلك أُمَّة من أسلافكم قد مضَتْ ، لهم أعمالهم ، ولكم أعمَالكم ، ولا تُسْألون عن أعمالهم ، وهم لا يُسْألون عن أعمالكم ، وكلٌّ سيجازى بما فعله ، لا يؤاخذ أحد بذنب أحد ، ولا ينفعُ أحداً إلّا إيمانُه وتقواه .
و والله لولا أنَّ المقام مقامُ دفاع عن أنبياء الله لاكتفيت بهذه الآية .
ولكنهم قالوا : كان يوسف عليه السلام يعمل كوزير عند ملك كافر، وهذا دليل على جواز العمل كوزير أو نائب أو موظف عند الحكام الكافرين المعاصرين !
ومنهم من تجاوز حد الأدب الواجب للأنبياء صلوات ربي عليهم جميعاً ، فرموا يوسف عليه السلام ببهتانٍ عظيم ، حيث قالوا عنه أنه في عمله لم يكن يحكم بما أنزل الله ، وإنما كان يحكم بشريعة الملك الطاغوت !
أقول : قد رُمي يوسف عليه السلام زوراً وظلماً مرتين : مرة عندما نسبوا إليه الفاحشة ، وأنه راود امرأة العزيز عن نفسها وحاشاه .
ومرة أخرى لما رماه دعاة الوظائف الحكومية في زماننا بأنه لم يكن يحكم بما أنزل الله ، وإنما كان يحكم بشريعة الملك الطاغوت ، وصوروه للناس بصورة الرجل الضعيف - الذي لا حول له ولا قوة - المنقاد لإرادة وشريعة الملك الطاغية !
و تاللهِ فإن الثانية لأشد على يوسف عليه السلام من الأولى ، وهي في حقه أكثر مسبة وطعناً من الأولى ... وهو لا شك أنه أشد براءة منها مما نُسب إليه ظلماً وعدواناً مع امرأة العزيز !
وحتى يتبين للقارئ وجهة الحق ، ويدرك مدى صحة استشهاد القوم بقصة يوسف عليه السلام على ما هم عليه ، لا بد أولاً من استعراض قصة يوسف عليه السلام مع الملك كما وردت في القرآن الكريم ، ثم بعد ذلك نجري المقارنة المطلوبة بين الواقع الذي كان عليه يوسف عليه السلام وبين الواقع الذي عليه دعاة العمل النيابي والوزاري عند الحكومات المعاصرة ، وليدرك مدى صحة قياس واقعهم المشين على واقع يوسف عليه السلام المشرف العظيم .
قال تعالى : { ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمراً وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزاً تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين • قال لا يأتيكما طعامٌ تُرزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قومٍ لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون • واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون }[ يوسف : 36 - 38 ].
نستخلص من هذه الآيات ثلاثة أشياء تعنينا في بحثنا ، وهي :
• أن الأولوية عند يوسف عليه السلام كانت هي الدعوة إلى التوحيد المنافي لجميع مظاهر الشرك ، وتعريف من معه في السجن بحقيقة هذا الدين ؛ حيث تبين لنا الآيات الآنفة الذكر أن يوسف عليه السلام لم يجب صاحبيه إلى تعبير رؤاهما إلا بعد أن دعاهما إلى التوحيد ، وعرفهما على نفسه ودعوته ، وهذا المعنى أشار إليه القرطبي في التفسير ، حيث قال : فاسمعوا أولاً ما يتعلق بالدين لتهتدوا ، ولهذا لم يعبّر لهما حتى دعاهما إلى الإسلام .
وقال سيد قطب في ظلال القرآن : ( وينتهز يوسف هذه الفرصة ليبث بين السجناء عقيدته الصحيحة ؛ فكونه سجيناً لا يعفيه من تصحيح العقيدة الفاسدة والأوضاع الفاسدة ، القائمة على إعطاء حق الربوبية للحكام الأرضيين ، وجعلهم بالخضوع لهم أرباباً يزاولون خصائص الربوبية ، ويصبحون فراعين ) اهـ .
نسجل ذلك لنبطل مزاعم المخالفين الذين يقولون : إن الأولوية عند يوسف كانت تصحيح الأوضاع الاقتصادية ، ورفع المستوى المعيشي للناس ، ثم العمل من أجل هذا الدين !
وهذا الكلام منهم إضافة إلى كونه مخالف لمنهج يوسف ومن قبله من الأنبياء والرسل عليهم السلام في الدعوة إلى الله ، فهو مخالف لمنهج نبينا وأسوتنا محمد صلى الله عليه وسلم ولهديه ؛ الذي أبى إلا أن تكون أولاً معركة العقيدة والتوحيد مع الشرك وأهله... حيث لم يكن يقبل النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين أي عرض دنيوي مهما كان ضخماً ومغرياً قبل أن يُعطوه أولاً كلمة التوحيد وينقادوا إليها !
• إذا كان يوسف عليه السلام يدعو إلى التوحيد ويعطيه الأولوية في حديثه ودعوته وهو في السجن قبل التمكين ، فكيف به وهو خارج السجن وبعد التمكين ؟!
وإذا كان عليه السلام يستغل حاجة صاحبيه في السجن فلا يجيبهما على تعبير رؤاهما إلا بعد أن يدعوهما إلى التوحيد ، ويعرفهما على قباحة الشرك وما هما عليه من ضلال، فكيف ترونه - يا دعاة الوظائف الحكومية - لا يستغل حاجة الشعوب إليه وإلى ما بيده وهو سيداً حاكماً على خزائن مصر يتحكم بتوزيع الأقوات على العباد كيفما يشاء، ثم هو لا يدعوهم إلى التوحيد وإلى عبادة الله تعالى وحده ؟!
والله تعالى يقول : { الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونَهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور }[ الحج : 41 ]، وذروة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الأمر بالتوحيد ، والنهي عن الشرك والكفر .
نسجل ذلك ليتذكر دعاة الوظائف الحكومية والعمل البرلماني أنهم جعلوا التوحيد وراء ظهورهم وفي آخر أولوياتهم قبل التمكين وبعد التمكين ، وأنهم من أبعد الناس عن واقع وسيرة يوسف عليه السلام .
• إعلان يوسف عليه السلام براءته من الشرك الذي منه التحاكم إلى شرائع الطاغوت ، وأنه على ملة إبراهيم عليه السلام ؛ ملة التوحيد التي منه إظهار العداوة والبغضاء والبراء من المشركين ومما يعبدون من دون الله تعالى ، كما قال تعالى : { قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاءُ أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده }[ الممتحنة : 4 ] ، وقال تعالى عن إبراهيم أيضاً : { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون • إلا الذي فطرني فإنه سيهدين }[ الزخرف : 26 - 27 ]، وقال : { أفرأيتم ما كنتم تعبدون • أنتم وآباؤكم الأقدمون • فإنهم عدو لي إلا رب العالمين }[ الشعراء : 75 - 77 ]، وقال : { أفٍّ لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون }[ الأنبياء : 67 ].
هذا كله من ملة إبراهيم عليه السلام الذي يعلن يوسف عليه السلام على الملأ عن التزامه بها ، ويدعو الآخرين إليها قبل التمكين فضلاً عما هو عليه بعد التمكين والقوة ، فحاشاه وألف حاشاه أن يُرمى بشيء مما يخالف ذلك .
وهذا أمر مهم جداً أن يعرفه المخالفون قبل أن يتحدثوا عن يوسف عليه السلام ، وقبل أن يقيسوا أنفسهم وواقعهم المزري عليه !
ولنا بعد ذلك أن نسأل : أين أنتم يا دعاة الوظائف من هذا الالتزام بهذه الملة الحنيفية التي كان عليها يوسف عليه السلام ، نجدهم - وللأسف - قد رغبوا عنها ، وشُغلوا عنها بالتي هي أدنى ، وعدّوها من ضروب الفتن التي ينبغي تجنيب شباب الدين من الوقوع فيها ، أو الاقتراب منها ومن أهلها ، حتى لا يُصابوا بعدوى التوحيد !
وهؤلاء لا شك أن حظهم من كتاب الله تعالى قوله تعالى : { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه }[ البقرة : 130 ]، والسفيه هو من لا عقل له يزبره عن الغي والضلال وما هو مُشين .
عودة إلى الآيات التي تتكلم عن يوسف ودعوته ومواقفه : { يا صاحبي السجن ءأربابٌ متفرقون خير أمِ اللهُ الواحد القهار • ما تعبدون من دونه إلا أسماءً سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطانٍ إن الحكمُ إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون }[ يوسف : 39 - 40 ].
لا يزال يوسف عليه السلام يدعو صاحبي السجن إلى التوحيد ، ويفصل لهم فيه ... وهنا يبين يوسف عليه السلام بوضوح أن من لوازم توحيد الله تعالى في العبادة توحيده سبحانه وتعالى في الحاكمية والتشريع ، وأن كلاً منهما لازم للآخر ، وأن التشريع والحكم يعد من أخص خصوصيات الله تعالى ؛ فكما أنه تعالى لا معبود بحق سواه كذلك لا حاكم ولا مشرع بحق سواه .
وأي مخلوق يجترئ على أن يزعم لنفسه خاصية الحكم والتشريع فقد جعل من نفسه نداً لله تعالى في أخص خصائصه ، وزعم الألوهية من أوسع أبوابها ، وأي مخلوق يعترف له بهذا الحق المزعوم فقد اتخذه إلهاً ومعبوداً من دون الله تعالى .
وهذا المعنى كثيراً ما يفر منه دعاة حاكمية الشعب والجماهير ، ولا يأتون على ذكره تلميحاً ولا تصريحاً !
يقول سيد قطب في ظلال القرآن : ( ومرة أخرى نجد أن منازعة الله الحكم تُخرج المنازع من دين الله - حكماً معلوماً من الدين بالضرورة - لأنها تخرجه من عبادة الله وحده ، وهذا هو الشرك الذي يخرج أصحابه من دين الله قطعاً ؛ وكذلك الذين يقرون المنازع على ادعائه ، ويدينون له بالطاعة وقلوبهم غير منكرة لاغتصابه سلطان الله وخصائصه ... فكلهم سواء في ميزان الله .
ويقرر يوسف عليه السلام أن اختصاص الله سبحانه وتعالى بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة هو وحده الدين القيم : { ذلك الدين القيم }، وهو تعبير يفيد القصر ، فلا دين قيماً سوى هذا الدين ، الذي يتحقق فيه اختصاص الله بالحكم تحقيقاً لاختصاصه بالعبادة .
وإن الطاغوت لا يقوم إلا في غيبة الدين القيم والعقيدة الخالصة عن قلوب الناس ، فما يمكن أن يقوم وقد استقر في اعتقاد الناس فعلاً أن الحكم لله وحده ، لأن العبادة لا تكون إلا لله وحده ، والخضوع للحكم عبادة ، بل هي أصلاً مدلول العبادة .
لقد رسم يوسف عليه السلام بهذه الكلمات القليلة الناصعة الحاسمة المنيرة كل معالم هذا الدين ، وكل مقومات هذه العقيدة ، كما هز بها كل قوائم الشرك والطاغوت والجاهلية هزاً شديداً ) اهـ.
قلت : هذا كله يقوم به يوسف عليه السلام وهو لا يزال في السجن في مرحلة الاستضعاف قبل التمكين ، فما ظنكم به - يا دعاة حاكمية الشعب والجماهير - وهو في مرحلة القوة والتمكين والأمان ؟!
ومن نوازع الهوى عند القوم أنهم يغضون الطرف عن كل هذه الآيات عند الحديث عن يوسف عليه السلام ودعوته ، فهم لا يعرفون يوسف إلا يوسف الذي يعمل عند الملك ، أما يوسف الداعية إلى حاكمية الله تعالى وحده ، الداعية إلى التوحيد المنافي لجميع مظاهر الشرك والطغيان ... فهذا الجانب لا يعرفونه ولا يتكلمون عنه ، ويغضون الطرف عنه رهبة أو رغبة !
تراهم يستدلون بعمل يوسف عليه السلام على كل عمل مشين يقومون به يصب في خدمة الطواغيت ؛ فإذا أراد أحدهم أن يكون وزيراً ينفذ سياسة الطاغوت استدل بيوسف ... وإذا أراد أحدهم أن يكون نائباً مشرعاً من دون الله تعالى استدل بيوسف ... وإذا أراد أحدهم أن يكون عيناً من بطانة الطاغوت استدل بيوسف ... وإذا عمل أحدهم جاسوساً عند الطاغوت يتجسس على عورات المسلمين استدل بيوسف ... وإذا أراد أحدهم أن يكون جندياً في جيوش الطواغيت استدل بيوسف ... وإذا أراد أحدهم أن يعمل في وزارة الصحة استدل بيوسف … وإذا أراد أحدهم أن يعمل في البلديات استدل بيوسف … وهكذا كل مشينة مخزية يقومون بها تراهم يلصقونها بيوسف وعمله عند الملك ، ليعطوا لأنفسهم الشرعية فيما يقومون به من عمل !
ويوسف عليه السلام لا شك أنه بريء من هذا كله كبراءة الذئب من دمه وأشد ، وهو وعمله الشريف العزيز الذي دبَّره الله من فوق سماواته له في واد ، والقوم وواقعهم المشين الذليل في واد ، وهذا ليس من قبيل التقول بغير علم ، بل الآيات القرآنية البينات هي التي تنطق بذلك .
قال تعالى : { وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين • قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم • وكذلك مكّنا ليوسفَ في الأرض يتبوَّأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نُضيع أجر المحسنين }[ يوسف : 54 - 56 ].
نستخلص من الآيات الدلالات التالية :
• تفيدنا الآيات أن الملك هو الذي بدأ الطلب من يوسف عليه السلام أن يعمل معه وليس العكس ، كما هو شائع في أذهان الناس .
وهذا ظاهر في قوله تعالى : { وقال الملك ائتوني به استخلصه لنفسي }، فالملك هو الذي بدأ بالطلب والعرض ، والذي فعله يوسف عليه السلام أنه اختار - بعزة وإباء - العمل الذي يريده ويناسبه { قال اجعلني على خزائن الأرض }، وكان له ما أراد .
وهناك فرق ظاهر بين طلب العمل وسؤاله إلى حد الاستشراف ، وبين اختيار العمل المناسب من مجموع الأعمال المعروضة عليك من غير سؤال لها ابتداءً .
كما أن يوسف عليه السلام - رغم كرب السجن والسنوات الطوال اللاتي قضاهن في السجن - لم يستجب لطلب ورغبة الملك من أول مرة ، وآثر البقاء في السجن على أن يلبي دعوة الملك له للمثول بين يديه إلى أن يُبرّأ على الملأ وفي حضرة الملك مما نُسب إليه - زوراً وظلماً - مع النسوة ، كما قال تعالى : { وقال الملكُ ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بالُ النسوة الّلاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم }[ يوسف : 50 ]، وهنا يتجلى ذكاء يوسف عليه السلام وفطنته وحكمته التي أيّدهُ الله بها ، فما حقيقة قوله عليه السلام ( اسأله ) ؟ إن هذا الأمر مما أكرم الله به يوسف عليه السلام بل هو معجزة قد جعله بعض البلهاء دليلاً على نـقض أصل التوحيد - أي أنهم اتهموا يوسف عليه السلام بالتحاكم هَهُنا -.
فهل قول يوسف عليه السلام فاسأله ما بال النسوة ، تحاكم أو طلب للتحاكم ؟ الجواب لا وألف لا .
1 - يوسف عليه السلام بحكم الخارج من السجن لان الملك قد أصدر أمره بإخراجه ولا علاقة ليوسف عليه السلام بذلك فهو لم يلتمس ذلك أو يطلبه .
2 - التحاكم هو طلب حكم ، فما هو الحكم الذي طلبه يوسف عليه السلام بعد أن أصبح بحكم الطليق الحر ؟
فحقيقة الأمر أن سبب سجن يوسف عليه السلام كانت خافية وغير ظاهرة فأراد عليه السلام إظهار الحقيقة الخافية ولم يرد حكماً أو أراد تحاكماً ولا نقول إلا قوله : معاذ الله ، فبأي الدلالات يستدلون ؟
ولكن طلب هذا الأمر وهو متيقن بأن الله تعالى سيجعل النسوة يتكلمن بحقيقة ما حصل وأنه ما طلب هذا إلا لتكون دعوته إلى الله تعالى غير مشوبة بنقيصة - الفاحشة - إذ أن الناس قد يتخذون ذلك ذريعة لعدم قبول دعوته .
فأين هؤلاء الذين يترامون على عتبات الطواغيت - بزعم مصلحة الدعوة - من أول إشارة تُرمى إليهم من قبل الطاغوت ، فضلاً عن أن يوجه إليهم رسولاً ملكياً يدعوهم لزيارته ... أين هم من إباء وعزة وإيمان يوسف عليه السلام حتى يقيسوا أنفسهم عليه ، وحالهم على حاله ؟!
يقول سيد قطب في الظلال : ( فيا ليت رجالاً يمرغون كرامتهم على أقدام الحكام - وهم أبرياء مطلقو السراح - فيضعوا النير في أعناقهم بأيديهم ، ويتهافتوا على نظرة رضى وكلمة ثناء ، وعلى حظوة الأتباع لا مكانة الأصفياء ... يا ليت رجالاً من هؤلاء يقرأون هذا القرآن ، ويقرأون قصة يوسف ، ليعرفوا أن الكرامة والإباء والاعتزاز تدر من الربح - حتى المادي - أضعاف ما يدره التمرغ والتزلف والانحناء ) اهـ.
• قال تعالى : { فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين }، ماذا كلمه ، وماذا قال له يوسف عليه السلام ، هل تراه قال له كما يقول هؤلاء المتملقون الذين يترامون على عتبات الطواغيت يستجدون منهم عبارة رضى أو ثناء أو فُتات زهيد يُرمى إليهم ؟!
هل قال له : عشت يا مولانا ويا قائدنا إلى الأبد تاجاً فوق رؤوسنا وجباهنا ، هل أضفى عليه عبارات التبجيل والتعظيم والتقديس ... هل قال له - كهؤلاء المتزلفين - : أنا عبدك وخادمك المطيع أفديك بالدم والروح ؟! كلا وألف كلا ...
هل تراه كلمه عن النسوة وعن كيدهن وما فعلن به ، وقد بُرئت ساحته من قبل، وحصحص الحق ، وانتهى الأمر ؟! أم أنه أعاد عليه تعبير الرؤيا بعد أن عبرها له من قبل ؟!
لا هذا ولا ذاك يليق بمقام يوسف النبي عليه السلام ؛ لأنه من التكرار والعبث الذي لا فائدة منه ، والذي ينزه عن مثله الأنبياء .
⟨⟨⟨ وهنا ننوه للقاعدة الأصولية التالية : إذا ورد الاحتمال بطل الاستدلال ؛ فهذا بحق النصوص في معنيين ، فكيف في الأفعال والتي اتفق فيها جمهور الأصوليين على أنها لا عموم لها ولا يستدل بالفعل إلَّا على صورته المطابقة له . ⟩⟩⟩
بقي الاحتمال الوحيد الراجح الذي دلَّت عليه النصوص الأخرى ؛ وهو أن يوسف عليه السلام قد كلمه عن نفسه كنبي ورسول لله عز وجل ، وعن الأسرة والسلسلة النبوية الشريفة التي ينتمي إليها ، وعن دعوة التوحيد التي بعث بها هو ومن قبله من آبائه الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ... هذا الذي يليق بيوسف عليه السلام وهذا ما يقتضيه مبدأ الأخذ بالأولويات ومراعاة الأهم فالأهم الذي تقدمت الإشارة إليه ، ولا أهم عند يوسف - لحظة اختلائه بالملك التي كان من الممكن أن لا تتكرر - من بيان دعوة التوحيد ، ودعوة الملك إليها ، فهذا نهجه صلى الله عليه وسلم في السجن مع صاحبيه .
كما قال تعالى : { ولقد بعثنا في كل أمةٍ رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت }[ النحل : 36 ]، وقال تعالى : {وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون }[ التوبة : 31 ].
وهذا حري بيوسف عليه السلام وهو النبي الرسول أن يقوم بإيصاله وتبليغه للملك منذ اللحظة الأولى من لقائه به .
وسؤالنا الآن : أين هؤلاء الذين يترامون على عتبات الطواغيت يستجدون لأنفسهم العمل في بلاطهم وقصورهم ومجالس برلماناتهم ووزاراتهم ومؤسساتهم ... أين هم من عمل يوسف عليه السلام ... أين هم من دعوته واهتماماته ورجولته وشجاعته ؟!
• جواب الملك ليوسف عليه السلام : { إنك اليوم لدينا مكين أمين }، جاء بعد أن كلمه يوسف عن نفسه ودعوته كنبي ، وبعد أن دعاه إلى التوحيد وإلى عبادة الله تعالى وحده ... مما دل أن الملك قد أسلم وآمن ، وأنه تابع يوسف على دعوته ودينه ...
يدل على ذلك ما يلي :
أولاً : أن الآيات القرآنية قد دلت دلالات قطعية على أن طواغيت الكفر ومن يشايعهم على كفرهم من المستحيل أن يرضوا عن التوحيد وعن دعاة التوحيد ، فضلاً عن أن يعملوا على تمكينهم في الأرض ، كما قال تعالى عنهم : { ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }[ البقرة : 217 ]، وقال تعالى : { وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنَّكم من أرضنا أو لتعودُنَّ في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين }[ إبراهيم : 13 ].
أفادت الآية أن ما من رسول لله عزَّ وجل إلا قال له الكافرون وطغاتهم : { لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا }، وهذه سياسة يتبعها الطواغيت مع الأنبياء وأتباعهم في كل زمان وإلى يوم القيامة !
تأمل قول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم عندما أخبره بما رأى من الوحي :" هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ، يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعاً ، أَكُونُ حَيّاً حِينَ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ » فَقَالَ وَرَقَةُ : نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْراً مُؤَزَّراً ". رواه البخاري
والسؤال : لماذا لم يقل الملك - إن كان كافراً مستمراً على كفره وطغيانه - لرسول الله يوسف عليه السلام لنُخرِجَنَّكَ يا يوسف من أرضنا أو لتعودنَّ في ملتنا ملة الكفر ، بل قال له كلاماً مخالفاً لذلك تماماً : { إنك اليوم لدينا مكين أمين }، وقلده المكانة والمنصب الذي يريد ، وأطلق يده في ملكه يفعل ما يشاء ؟
لم يبق سوى القول بأن الرجل قد أسلم وآمن ، وتابع يوسف على دعوته ... والله تعالى أعلم .
ثانياً : قد ورد الأثر بإسلام الملك ، كما روى الطبري : حدثني المثنى قال ، حدثنا عمرو قال ، أخبرنا هشيم ، عن أبي إسحاق الكوفي ، عن مجاهد في قوله : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ) قال : أسلم الملك الذي كان معه يوسف . [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]
وروى الطبري أيضاً : حدثني ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال : استعمله الملك على مصر ، وكان صاحب أمرها ، وكان يلي البيعَ والتجارة وأمرَها كله ، فذلك قوله : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ). [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]
وروى أيضاً : حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( يتبوأ منها حيث يشاء ) قال : ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا ، يصنع فيها ما يشاء ، فُوِّضَتْ إليه ؛ قال : ولو شاء أن يجعَل فرعون من تحت يديه ، ويجعله فوقه لفعل . [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]
وقال البغوي في التفسير : ( تفسير قوله تعالى : { وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَّشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } يقول : قال مجاهد وغيره : فلم يزل يوسف عليه السلام يدعو الملك إلى الإسلام ويتلطف له حتى أسلم الملك وكثير من الناس ؛ فهذا في الدنيا ) اهـ.
ثالثاً : نلاحظ أن الملك قد صدّق يوسف عليه السلام في تعبير الرؤيا وما سيصيب دولته من اضطراب وشدة ورخاء على مدار أكثر من أربعة عشر عاماً قادمة ، من غير أدنى نقاش أو جدال أو اعتراض ، وهذا بالنسبة للملك غيب لم يكن ليصدق به بهذه الصورة لولا أنه صدق أولاً بنبوة يوسف ، وأن هذا التعبير للرؤيا هو علم صادق لا يمكن أن يختلف قد أوحى الله به إلى يوسف كنبي ورسول ، وأن تعبيره حق وهو واقع لا محالة .
وكيف لا يصدق بيوسف وقد رأى بأم عينيه ترجمان تأويله - لصاحبي السجن - وما أخبر به على أرض الواقع ، من غير زيادة ولا نقصان ؟!
لأجل هذه الأوجه نرى القول بإسلام الملك هو الراجح ، ولا نجزم به لغياب النص الصريح الذي يحسم الخلاف ، لكن الذي نجزم به أن إسلام الملك محتمل وهو الراجح ، كما أن كفره محتمل وهو المرجوح ، وورود هذا الاحتمال مهم جداً لإبطال استدلال القوم بعمل يوسف عند الملك ، على ما هم عليه من عمل عند طواغيت الكفر ؛ لأن القاعدة تقول : إذا وجد الاحتمال بطل الاستدلال .
• العمل الذي قام به يوسف عليه السلام لا يقدر عليه أحد من الأمة إلا يوسف ، وتخليه عن هذا العمل يعني الموت المحقق للشعوب بكاملها ، ويعني انتشار الجريمة والفساد - الذي عادةً يسود في أجواء الفقر والجوع والحرمان - على أوسع نطاق ...
فالعمل الذي قام به يوسف عليه السلام مغرم وليس مغنماً ، لا يقدم عليه إلا ألو العزم من الرجال ، ولخطورة المهمة لم نجد أحداً - غير يوسف - ممن عاصر المحنة قد تجرأ أن يفكر في تحمل المسؤولية في تلك الفترة العصيبة التي قد تكلف صاحبها رأسه وحياته ، بما في ذلك الملك ذاته لم يتجرأ على تحمل المسؤولية ، وإنما أوكل الأمر كل الأمر إلى يوسف عليه السلام ليَسلَم بنفسه من غضب وجوع أهل مصر !
وهذا المعنى أشار إليه سيد قطب في الظلال ، حيث قال : ( ولم يكن يوسف يطلب لشخصه وهو يرى إقبال الملك عليه فيطلب أن يجعله على خزائن الأرض ، إنما كان حصيفاً في اختيار اللحظة التي يستجاب له فيها لينهض بالواجب المرهق الثقيل ذي التبعة الضخمة في أشد أوقات الأزمة ، وليكون مسؤولاً عن إطعام شعب كامل وشعوب كذلك تجاوره طوال سبع سنوات ، لا زرع فيها ولا ضرع ، فليس هذا غِنْمَاً يطلبه يوسف لنفسه ، فإن التكفل بإطعام شعب جائع سبع سنوات متوالية لا يقول أحد إنه غنيمة ، إنما هي تبعة يهرب منها الرجال ، لأنها قد تكلفهم رؤوسهم ، والجوع كافر ، وقد تمزق الحشود الجائعة أجسادهم في لحظات الكفر والجنون .
طالب بما يعتقد أنه قادر على أن ينهض به من الأعباء في الأزمة القادمة التي أول بها رؤيا الملك ، خيراً مما ينهض بها أحد في البلاد ، وبما يعتقد أنه سيصون به أرواحاً من الموت وبلاداً من الخراب ، ومجتمعاً من الفتنة - فتنة الجوع - فكان قوياً في إدراكه لحاجة الموقف إلى خبرته وكفايته وأمانته ) اهـ.
وهذا المعنى مهم جداً أن نتذكره عند المقارنة بين عمل يوسف العظيم وبين عمل دعاة الوظائف والمناصب الحكومية عند طواغيت الكفر .
• عمل يوسف عليه السلام كان تمكيناً حقيقياً له ولدعوته - لا وهماً وزعماً - يفعل ما يشاء ، ويقضي بما يشاء ، أمره وقضاؤه نافذ على كل من يعيش في سلطانه بما في ذلك الملك ذاته الذي انقلب - بفضل الله تعالى - إلى عبد مطيع ليوسف ينفذ أوامره وتوجيهاته ، ويطاوعه في كل ما يريد .
وهذا هو المراد من قوله تعالى : { وكذلك مكنا ليوسُفَ في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نُضيع أجر المحسنين }.
روى الطبري : حدثني ابن وكيع قال ، حدثنا عمرو ، عن أسباط ، عن السدي قال : استعمله الملك على مصر ، وكان صاحب أمرها ، وكان يلي البيعَ والتجارة وأمرَها كله ، فذلك قوله : ( وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء ). [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]
وروى أيضاً : حدثني يونس قال ، أخبرنا ابن وهب قال ، قال ابن زيد في قوله : ( يتبوأ منها حيث يشاء ) قال : ملكناه فيما يكون فيها حيث يشاء من تلك الدنيا ، يصنع فيها ما يشاء ، فُوِّضَتْ إليه ؛ قال : ولو شاء أن يجعَل فرعون من تحت يديه ، ويجعله فوقه لفعل . [ جامع البيان عن تأويل آي القرآن ]
وقال القرطبي في التفسير : ( قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يُوسُف : فَجَلَسَ عَلَى السَّرِيرِ وَدَانَتْ لَهُ الْمُلُوكُ ، وَدَخَلَ الْمَلِكُ بَيْتَهُ مَعَ نِسَائِهِ ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَ مِصْرَ ). [ الجامع لأحكام القرآن ]
قال القرطبي : ( ولما فوض الملك أمر مصر إلى يوسف تلطف بالناس ، وجعل يدعوهم إلى الإسلام حتى آمنوا به ، وأقام فيهم العدل ، فأحبه الرجال والنساء .
ومما جاء عن وهب والسدي وابن عباس وغيرهم قول الملك ليوسف لما رأى منه من حكمة بالغة في إدارة الحكم وبسط العدل : فوضت إليك الأمر فافعل ما شئت ، وإنما نحن لك تبع ؛ وما أنا بالذي يستنكف عن عبادتك وطاعتك ، ولا أنا إلا من بعض مماليكك ، وخوَل من خولك ). [ الجامع لأحكام القرآن ]
وفي تفسير البغوي : ( قال ابن إسحاق ، وابن زيد : وكان لملك مصر خزائن كثيرة فسلم سلطانه كله إليه ، وجعل أمره وقضاءه نافذاً ) اهـ .
وقال سيد قطب في الظلال : ( { يتبوأ منها حيث يشاء }، يتخذ منها المنزل الذي يريد ، والمكان الذي يريد ، والمكانة التي يريد ، في مقابل الجب وما فيه من مخاوف ، والسجن وما فيه من قيود .
وكذلك لم يبرز السياق الملك ولا أحداً من رجاله بعد ذلك في السورة كلها ، كان الأمر كله قد صار ليوسف ، الذي اضطلع بالعبء في الأزمة الخانقة الرهيبة ، وأبرز يوسف وحده على مسرح الحوادث ، وسلط عليه كل الأضواء ، وهذه حقيقة واقعية ) انتهى .
قلت : قد أطبقت كتب التفسير - قديمها وحديثها - على أن شؤون الحكم والملك قد آلت كلها إلى يوسف عليه السلام ، وأنه كان الآمر الناهي الحقيقي ، يفعل ما يشاء من غير حسيب أو رقيب من البشر .
فهذا حال نبي الله يوسف عليه الصلاة والسلام ، فما حالكم يا موظفي حكومة الطاغوت من حاله ، لكي تُسيئوا الأدب وتقيسوا أنفسكم القبيحة بالنبي الكريم الشريف العزيز .
فبهذا عُلِمَ بطلان قياسهم ومشابهتهم .
🔷 وآخرون يستدلون على العمل في حكومات الطواغيت ( الحكومة = دين الطاغوت ) بعمل ماشطة أبنة فرعون وبإرضاع أم موسى لموسى .
نقول : متى قلنا بأنه لا يجوز أو حرمنا العمل عند الكفرة والطواغيت خارج نطاق الدولة فهذا دليلٌ لنا لا علينا ، فإن زعمتم أنَّ عمل ماشطة أبنة فرعون وإرضاع أم موسى لموسى هي وظيفة حكومية فعليكم بالدليل .
🔷 حكم العمل المباح عند الكفرة والطاغوت خارج الدولة مباح إن لم يشترط عليه كفر .
• روى البخاري عمل النبي ﷺ كراع لأهل مكة على قراريط قبل بعثته والأنبياء قد عصمهم الله من الكفر حتى قبل البعثة والنبي قد أخرج الله حظ الشيطان من قلبه كما في قصة الملكين .
فكيف يتلبس بالكفر بعد ذلك - حشاه ﷺ من ذلك -؟!
أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيّاً إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ ". فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ ؟ فَقَالَ : " نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ ".
• عمل سلمان رضي الله عنه بعد إسلامه عند اليهود وعمل الموالي والمماليك من المسلمين عند مُلاَّكِهم من الكفار .
• وكذلك عمل الأجراء المسلمين عند الكافرين كعمل علي رضي الله عنه أجيراً في نزعه الماء لليهودي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : « أَصَابَ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَاصَةٌ، فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيّاً، فَخَرَجَ يَلْتَمِسُ عَمَلاً يُصِيبُ فِيهِ شَيْئاً لِيُقِيتَ بِهِ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَى بُسْتَاناً لِرَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، فَاسْتَقَى لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ دَلْواً، كُلُّ دَلْوٍ بِتَمْرَةٍ، فَخَيَّرَهُ الْيَهُودِيُّ مِنْ تَمْرِهِ، سَبْعَ عَشَرَةَ عَجْوَةً، فَجَاءَ بِهَا إِلَى نَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ». رواه ابن ماجه في سننه
إنَّ الدين عند اللّٰه الإسلام
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام