لماذا لم يوافق ( الإمام أحمد ) ( الأئمة الثلاثة ) في (حكم صلاة الضحى ) ؟
الجواب على هذا السؤال يقتضي ذكر الخلاف في المسألة مع شيء من البسط ليتبين السبب.
والغرض من ذكر هذه المسألة تحريرها من جهة، وبيان الجانب التأصيلي فيها من جهة أخرى.
و خلاصة السبب أن مخالفة أحمد للثلاثة مبني على قاعدتين تقتضيان هذا وهما :
الأولى : مراتب السنن في الشرع .
والثانية : العمل بكل أحاديث الباب.
وسنفصل الحديث حول الموضوع كما يلي :
أولاً بعض الأحاديث الصحيحة الواردة في المسألة :
1- عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: {كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى أربعا, ويزيد ما شاء الله} رواه مسلم.
2- و عنها: {أنها سئلت: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي الضحى? قالت: لا, إلا أن يجيء من مغيبه) مسلم
3 - و عنها: {ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي سبحة الضحى قط, وإني لأسبحها} متفق عليه
4- حديث زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال:(صلاة الأوابين حين ترمض الفصال ) مسلم
ثانياً خلاف الفقهاء في صلاة الضحى :
اختلف العلماء رحمهم الله اختلافًا كثيرًا في حكم صلاة الضحى، وهو مبني على اختلاف الآثار المروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذه المسألة كما يلي :
القول الأول:
أن صلاة الضحى مستحبة، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية والشافعية.
أدلتهم:
استدلوا بالأحاديث التي فيها الحث على صلاة الضحى.
القول الثاني:
أن صلاة الضحى تُصلى أحيانًا وتترك أحيانًا، وهذا مذهب الحنابلة.وقد نص عليه أحمد.
أدلتهم:
استدلوا على هذا بأمرين :
1ـ أنه روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه يصلي، وروي عنه أنه لا يصلي، والجمع بين هذه النصوص يدل على أنه يصلي أحيانا ويترك أحياناً .فهذا القول فيه إعمال لكل النصوص .وبهذا يحصل الجمع بين النصوص الواردة عن عائشة رضي الله عنها.
قال أحمد في رواية المروذي: (لا تضرب الأخبار بعضها ببعض؛ لكل خبر وجهه)
العدة في أصول الفقه (2/ 616)
أي إذا كان بين النصوص تعارض في الظاهر فإننا لا نضرب بعضها ببعض ولا نلغي بعضها، بل نعمل بها كلها ف(لكل خبر وجهه).
2- أنها دون الفرائض والسنن المؤكدة، فلا تشبه بهما.
القول الثالث:
أن صلاة الضحى لا تستحب ولا تشرع؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يصليها، وهو أضعف الأقوال، وأبعدها عن الآثار، ولهذا لم يقل به أحد من الأئمة الأربعة.
القول الرابع:
مذهب ابن تيمية وهو :أن صلاة الضحى تصلى لسبب عارض؛ لا لأجل الوقت .
وتارة قال مستحبة لمن لم يقم في الليل فقط، أما من قام فلا تستحب.
و قريب منه مذهب ابن القيم .
دليله:
استدل بأمور:
الأول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يصلي الضحى دائما، بل لسبب عارض ، بمعنى أنها ليست صلاة سببها الوقت فقط.
الثاني: أن صلاة الضحى كالبديل لصلاة الليل.
الثالث: أن رجلاً قال لعمر بن الخطاب: لم أقم الليلة، قال: صلِ بدلها الضحى، فدل على أن الضحى بدل لقيام الليل.
الرابع : أن النوافل في الشرع لها مراتب ويجب أن ننزل كل نافلة منزلتها الشرعية فهذا من تمام متابعة النبي صلى الله عليه وسلم .
وهذا نص لشيخ الإسلام يبين وجهة نظره في الموضوع وفيه جودة ومتانة :
قال ابن تيمية : (ومن هذا الباب " صلاة الضحى " فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يداوم عليها باتفاق أهل العلم بسنته ... بل ثبت في حديث صحيح لا معارض له أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وقت الضحى لسبب عارض؛ لا لأجل الوقت: مثل أن ينام من الليل فيصلي من النهار اثنتي عشرة ركعة ومثل أن يقدم من سفر وقت الضحى فيدخل المسجد فيصلي فيه. ومثل ما صلى لما فتح مكة ثماني ركعات وهذه الصلاة كانوا يسمونها " صلاة الفتح " وكان من الأمراء من يصليها إذا فتح مصرا فإن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صلاها لما فتح مكة. ولو كان سببها مجرد الوقت كقيام الليل لم يختص بفتح مكة؛ ولهذا كان من الصحابة من لا يصلي الضحى)
ثم ذكر الأحاديث التي فيها الحث عليها ثم قال :
(وهذه الأحاديث الصحيحة وأمثالها تبين أن الصلاة وقت الضحى حسنة محبوبة. بقي أن يقال: فهل الأفضل المداومة عليها ؟ كما في حديث أبي هريرة أو الأفضل ترك المداومة اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ هذا مما تنازعوا فيه. والأشبه أن يقال: من كان مداوما على قيام الليل أغناه عن المداومة على صلاة الضحى كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ومن كان ينام عن قيام الليل فصلاة الضحى بدل عن قيام الليل.
وفي حديث أبي هريرة أنه أوصاه أن يوتر قبل أن ينام وهذا إنما يوصي به من لم يكن عادته قيام الليل وإلا فمن كانت عادته قيام الليل وهو يستيقظ غالبا من الليل فالوتر آخر الليل أفضل له كما ثبت في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {من خشي أن لا يستيقظ آخر الليل فليوتر أوله ومن طمع أن يستيقظ آخره.
فليوتر آخره فإن صلاة آخر الليل مشهودة وذلك أفضل} وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم {أنه سئل: أي الصلاة أفضل بعد المكتوبة؟ فقال: قيام الليل} ) مجموع الفتاوى (22/ 283)
وهذا بيان منازل السنن في الشرع :
قال ابن تيمية : (فهذا يبين أن الصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء حسنة وليست بسنة، فمن أحب أن يصلي قبل العصر كما يصلي قبل المغرب والعشاء على هذا الوجه فحسن، وأما أن يعتقد أن ذلك سنة راتبة كان يصليها النبي صلى الله عليه وسلم كما يصلي قبل الظهر وبعدها وبعد المغرب فهذا خطأ.
والصلاة مع المكتوبة ثلاث درجات إحداها سنة الفجر والوتر فهاتان أمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمر بغيرهما، وهما سنة باتفاق الأئمة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما في السفر والحضر، ولم يجعل مالك سنة راتبة غيرهما، والثانية ما كان يصليه مع المكتوبة في الحضر وهو عشر ركعات وثلاث عشرة ركعة، وقد أثبت أبو حنيفة والشافعي وأحمد مع المكتوبات سنة مقدرة بخلاف مالك، والثالثة التطوع الجائز في هذا الوقت من غير أن يجعل سنة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليه، ولا قدر فيه عددا، والصلاة قبل العصر والمغرب والعشاء من هذا الباب وقريبا من ذلك صلاة الضحى والله أعلم ).
مجموع الفتاوى (23/ 125)
الراجح :
لا يخفى أن مذهب الحنابلة، ومذهب ابن تيمية وتلميذه ابن القيم متقاربة جدا ، فكلها تعتمد مبدأ عدم المداومة على صلاة الضحى، أي أنها لا تعامل معاملة السنن المؤكدة
إلا أن الشيخين يحددان متى تصلى ومتى تترك فهذا هو الفرق.
وهذا هو الأقرب - أي أنها تفعل أحياناً - ويقوي هذا المذهب مع ما سبق ما يلي :
الأول: ما رواه سفيان عن منصور ــ وهو من أئمة التابعين، من تلاميذ بن مسعود ــ أنه قال :(كانوا يكرهون أن يحافظوا عليها كالمكتوبة، ويصلون ويدعون)
الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر وعمر كلهم لم يكونوا يداومون على صلاة الضحى بلا شك. روى البخاري عن ابن عمر: « أنه لم يكن يصليها، ولا أبو بكر، ولا عمر. قلت: فالنبي صلى الله عليه وسلم؛ قال: لا إخاله»
وفي الباب آثار عن غيرهم من الصحابة، فمجموع هذه الأمور تدل على أن السلف لم يحافظوا على الضحى كل يوم،كما فعلوا في السنن الرواتب.
قال ابن القيم :
(ومن تأمل الأحاديث المرفوعة وآثار الصحابة، وجدها لا تدل إلا على هذا القول - أنها تفعل بسبب من الأسباب -، وأما أحاديث الترغيب فيها، والوصية بها، فالصحيح منها كحديث أبي هريرة وأبي ذر لا يدل على أنها سنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى أبا هريرة بذلك، لأنه قد روي أن أبا هريرة كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلا من قيام الليل، ولهذا أمره ألا ينام حتى يوتر، ولم يأمر بذلك أبا بكر وعمر وسائر الصحابة
وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال...) زاد المعاد (1/ 346)
والخلاصة :
أن هذا القول أرجح لما فيه من الجمع بين الأدلة، مع استعمال الآثار، وقواعد الشرع.
ومن المعلوم - إن شاء الله - أن فعل الطاعات يجب أن يكون حسب الشرع الذي دلت عليه السنن والآثار والأصول العامة.
والله تعالى أعلم بالصواب.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام