كيف نرد على من احتج بِقصة محمد بن مسلمة رضي الله عنه؟
ومن شبههم المضلة المشهورة قولهم: إن دخولنا في الديمقراطية هو من باب قول محمد بن مسلمة للرسول : ائذن لي أن أقول؛ يعني: حين تكلم مع كعب بن الأشرف مستدرجا له بكلمات تنبئ عن تبرم محمد بن مسلمة من التكاليف التي كلفتهم بها الدعوة الإسلامية وقائدها العظيم محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام» وأن الموقف من كل هذه الالتزامات ليس إلا شبيها بتلك الكلمات» وان الأمر لايخلو أن يكون تكتيكاً وأن الانتخابات سوف توصلنا إلى الحكم فنحكم بشرع الله ونلغي ما خالفه!!
والرد عليهم بأن قصة محمد بن مسلمة لا دليل لكم فيها من وجوه:
🟢أولاً: محمد بن مسلمة مأذون له شرعاً بنص قطعي سمعه من الرسول وأنتم على خلاف ذلك؛ حيث أنكم تعترفون بأن ما تفعلونه مجرد اجتهاد يحتمل الخطأ والصواب» وتقولون: إنه أسلوب فيه مفاسد كثيرة» ولكن من باب ارتكاب مفسدة صغرى لجلب مصلحة كبرى أو من باب دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما وتقولون: غلب على ظننا أن ذلك سيؤدي إلى تمكين أهل الإسلام وإقامة شرع الله؛ وقد عارضكم آخرون بالمنع؛ وأن هذا الطريق إلى جانب كونه مشتملاً على عقائد ومبادئ كفرية» فإن مفسدته أكبر
من مصلحته إن وجدت.
🟢ثانياً: ما قاله محمد بن مسلمة هو عبارة عن تعريض بالرسول َغير
مقصود- مع تصريحه لكعب بن الأشرف بعدم تخليه عن متابعة النبي
فيعتبر حقاً للرسول أذن به وتنازل عن تبعاته لأجل المضلحة المحققة» أي: أن الكلام في الرسول كان بإذنه وموافقته» فمن أين لكم أنه يدل على مسألة التنازل عن الدين» فمثل هذه التجاوزات لا بد لها من إذن شرعي لأنكم ملزمون بموافقتكم لشرعه الموجود وهديه المتبع» وليس لكم أن تحتجوا في التنازل عن دينه بمسألة كان فيها تنازل عن حقه الشخصي.»
وفرق بين المسألتين؛ لآن ما تفعلونه هو تنازل عن دينه الذي أتى به وهو لا
يرضى التنازل عن الدين» وما جئتم به هو تحاكم إلى الطاغوت» وهو أول من
يكفر به» فما هو دليلكم الصحيح الصريح الخالي عن المعارض حتى سلكتم
هذه المسالك؟
📌ثالثاً: محمد بن مسلمة كان ضرر نطقه بتلك الكلمة - إن كان موجوداً
- واقعاً عليه وعلى رفقته فقط» بينما يتعدى ضرر ما ارتكبتموه إلى عموم المسلمين؛ لما فيه من تلبيس دين المسلمين وتحريفه والقضاء على حاكميته بسلوك طريق جاهلي
📌رابعاً: محمد بن مسلمة لم يكن قاصداً لحقيقة ما يقول» وأنتم تصرحون برضاكم بذلك الطريق وبذلك المبدأ وتجعلونها الخيار الوحيد والأفضل»
وصرتم تنادون به أكثر من أهله بل وتطعنون في التاريخ الإسلامي؛
وأنتم تصرحون بالكفر وتجاهرون به ولا تبينوا للناس في هذا المقام حقيقة الكفر بالطاغوت واجتنابه !
خامسا: مافعله محمد بن مسلمة كان مو باب الضرورة المحققة أو المصلحة الراجحة على المفسدة؛ وهي قتل كعب بن الأشرف لأذيته لرسول الله بمعنى أن الضرورة حالة استثنائية وليست
منهجاً على الدوام يستغرق الزمان والمكان والأفراد والأمم والشعوب أما أنتم فجعلتم ما ذهبتم إليه منهج حياة لكم وللناس تدعون إليه في السراء
والضراء وفي الشدة والرخاء؛ فاختلف الحكم.
📌سادساً: إذا ثبت أن ما فعله محمد بن مسلمة كان ضرورة مقدرة زمانا ومكانا فمن المعلوم أن الضرورات يقتصر في ارتكاب المحظور فيها على
قدر الحاجة؛ ويعمل على رفع حالة الضرورة من أجل العودة إلى حالة
الاختيار وأتتم تقولون: لا رجعة عن المنهج الديمقراطي''"؛ وكثير منكم
يقول: الديمقراطية سيئة وأسوء منها عدمها وهذه المقالة إنما يعرف
حكمها وحكم من قالما أهلٌ التوحيد الذين يعرفون ما في تفضيل مناهج
البشر على منهج الله من المحذور العقائدي.
📌سابعاً: محمد بن مسلمة لم يكن ينسب ما فعله إلى الإسلام» بل كان يريد
أن يفهم من كلامه أنه متبرم من الوضع؛ فلم يفهم كعب بن الأشرف إلا أن
محمد بن مسلمة يرغب في الخلاص وأنه غير مرتاح للوضع وهذا بخلاف ما
جئتم به من البلاء ومحاولتكم البحث عن دليل شرعي له ونسبتكم ما جئتم
به أنه من الإسلام؛ بل إنه هو الإسلام الذي أراده الله وهو الأمر الأول»
📌ثامناً: محمد بن مسلمة فعل ذلك لتحقيق مصلحة راجحة متحققة وليست
متوهمة» وهي مصلحة معتبرة شرعاً فيها تحقيق قوله تعالى: (
{ فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ حَیۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ وَٱقۡعُدُوا۟ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدࣲۚ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِیلَهُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ }
[سُورَةُ التَّوۡبَةِ: ٥]
وقوله فقاتلوا أئمة الكفر
وقوله صلى الله عليه وسلم من لكعب بن الأشرف فإنه قد آذى الله ورسوله؟ وكان ما قام به موافقاً لمقاصد الشريعة ومقصد الرسول الأعظم أما أنتم فإنكم تفعلون ذلك لتحقيق مصلحة لم يعتبرها الشرع
في مقابل ما تحصلون عليه» وذلك أنكم تلبسون الحق بالباطل وتلتزمون
بمناهج كفرية من أجل مصلحة حماية الدعوة ودفع الأذى وكسب الحصانة
حتى لا تتعرضوا للبلاء كما تعرض غيركم من الدعاة والجماعات» وهي
خلاف سنة الله مع الجاهلية» وذلك أن الواجب هو التصريح بالمخالفة والمقاطعة والبراءة حتى ولو أدى ذلك إلى حصول الإيذاء بدليل أن النبي تحمل في مقابل التصريح بأصول الدعوة ما تحمله من الأذى وكذلك أصحابه» ولم يؤذن لهم باستعمال الأساليب التي تؤدي إلى طمس معالم المنهج الإسلامي ولم يجدوا لهم رخصة في ارتكاب شيء من ذلك.
🔴تاسعاً: المناط الذي تعلق به جواز ما فعله محمد بن مسلمة يختلف تماما
عن المناط الذي علقتم به جواز ما فعلتموه؛ فالأول هو أن كعب بن
الأشرف قد آذى الله ورسوله وهو يهـ.ودي خائن للعهد ويعرض بالمسلمين ويطعن في أعراضهم, فهو كافر أشد أنواع الكفر وأفحشه. فكان قتله مصلحة
راجحة؛ فجوز له من أجل تحقيقها مثل تلك المقالة» فكان من باب الحرب
خدعة» وأما ما قمتم به فهو مخالف لكل هذه الحيثيات» وذلك أنكم تقرون
بأن أصحاب هذه الأحزاب هم إخوانكم في الدين وأن الخلاف بينكم وبينهم
برامج وليس مناهج وأن الدولة والنظام إسلامي وأن الديمقراطية كآلية
ليست إيذاء لله ولرسوله وإنما هي مشتملة على مصالح ومفاسد والبعض من
هؤلاء مثل الإخوان يصرحون بأنه حكم الإسلام في أنصع صوره التاريخية
وأن جوهر الديمقراطية من صميم الإسلام'" وأن الأحزاب هي صورة من
صور التعدد المذهبي وجماعات الحسبة» فلم يتفق المناط حتى يصح
القياس.
🟢عاشراً: محمد بن مسلمة نجح في المهمة في لحظة من لحظات ليلته وقتل
عدو الله وفاز برضى الله ورسوله وعاد بالنصر المؤزر في الصباح أو قبله» أما
أنتم فهل نجحتم؟ وهل آن لليلكم أن ينجلي؟ ولغزوتكم أن تنتهي؟
ولضرورتكم هذه أن ترتفع؟ بل لما وصلتم إلى الموضع الذي زعمتم أنكم
ارتكبتم كل هذه المحظورات من أجل الوصول إليه لتغييره شهد الناس أنكم من أشد الناس تمسكاً بتلك القوانين واحتراماً لها وأنكم مناضلون من الطراز الأول لتثبيت دعائم تلك النظم والقوانين» يا ترى لو كان محمد بن مسلمة بعد مقالته تلك وصل إلى كعب بن الأشرف وشد عل يديه وقبل رأسه وأصبح من جنوده وأعوانه وداعية كبيراً من دعاته ماذا يكون حكمه؟ فقياسكم مع الفارق ولا شك في ذلك.
🔴الحادي عشر: وهنا سؤال في غاية الأهمية وهو: كان الرسول وأصحابه
يفكرون في حماية الدعوة كما تفكرون بل أعظم من تفكيركم, وكانوا
يفقهون المصالح والمفاسد أحسن من فقهكم.: وكان العذاب المحقق الحاصل في أرض الواقع في أبشع صوره قد لحق بهم وكان الجهد والضيق قد بلغ مداه والقوم يعرضون عليه الملك بدون اعتماد على تجميع الأصوات
وإنفاق الأموال الطائلة في تحصيل بعض هذه الأصوات في كل دورة فلماذا
لم يسلك طريق الملك وكان يمكنه أن يكون مثلكم عقلية سياسية جبارة
يتحيل على الوصول إلى السلطة بكل وسيلة وأن تكون الأموال في يده والجاه
والمنصب والقوة فيفرض الدين بعد ذلك بالطريقة التي يريد ترغيباً أو ترهيباً
بالانتخابات أو بالقوة العسكرية؟ فإذا سمحتم اشرحوا لنا الحيثية التي منعته
من ذلك» وهل هناك شبه بين حالتكم وحالته؟ وما وجه الشبه والمفارقة
ولكم الشكر.
📌الثاني عشر: أن هذه الازدواجية في الخطاب- أي: الجمع بين المناداة
بمبادئ الإسلام والمناداة في نفس الوقت بمبادئ الجاهلية مهما كان دافع
تلك المناداة تكتيكية أو إستراتيجية من باب ائذن لي أن أقول أو من أي باب
آخر- أدت إلى مشاكل علمية وحركية وتصدع حقيقي في صفوف الدعاة إلى
الله وبالذات في الذين دخلوا في هذا الطريق» فهو اختلاف حقيقي متستر عليه
بأسلوب أن ذلك من باب حرية الرأي والرأي الآخر ولو لم يكن من مفاسد
هذا الطريق إلا هذا لكفى وبعبارة أخرى أن الدخول في هذا الطريق شق
الصف الإسلامي ولم يشق الجاهلية» وغير المبادئ الإسلامية ولم يغير
مبادئ الجاهلية» وأضعف الصف الإسلامي ولم يضعف الجاهلية» وضلل
العامة ولبس عليهم ولم يقم بتوعيتهم» وأضعف حجة اللإسلاميين الذين
سلكوه وقوى حجج الجاهلية» وكان أبعد ما يمكن عن البلاغ المبين وأوغل
مايمكن في التلبيس والتضليل.
🔴الثالث عشر: هب أن قصة محمد بن مسلمة تدل على شيء من اعتبار
تزاحم المفاسد والمصالح وتقديم بعضها على بعض وارتكاب البعض
وتفويت البعض الآخر بالضوابط والقواعد الشرعية: إلا أن هناك أمراً هاماً
يجب أن لايغيب عن أذهاننا ونحن نتكلم عن هذه المسألة» وهو: أن المستدلين بهذه الواقعة على جواز ما ارتكبوه من سلوك المنهج الديمقراطي لايتم لهم الاستدلال إلا إذا كانوا مسلمين فعلاً بأن الديمقراطية في جوهرها كفر وأن النطق بها والسلوك في ميادينها من باب الضرورة والتكتيك السياسي لأنهم إن قالوا بأنها هي الشورى في جوهرها فلا معنى للاستدلال
حينئذ بقصة محمد بن مسلمة؛ لأنهم لم يرتكبوا محظوراً أصلاً وبعضهم
يقول: آلية الديمقراطية مسألة اجتهادية» وأماهي في فلسفتها وجوهرها
فكفر'"'» فإن سلموا بأنها كفر قيل لهم: فهلموا يا عباد الله قدموا دليلاً أن أحداً
من سبقكم من علماء المسلمين ومجتهديهم ومجدديهم وباعثي نهضتهم قد أجاز أن يرتكب المسلم الكفر الصريح وأن يجعله شعاره ليلاً ونهاراً يلهج
به أكثر من التسبيح والتحميد وبمناسبة وغير مناسبة» وأن يجعله مبدأه
والقانون الذي سيحكم به إن مكنه الله من مقاليد الأمور ويجعله منهجأ له في
الحياة والتربية والدعوة إلى الله وأن ذلك كله من أجل مصلحة الدعوة ونصرتها.
🟢الرابع عشر: إن الاستدلال بقصة محمد بن مسلمة على طريقة الإسلاميين
في التعامل مع الجاهلية والدخول في اللعبة الديمقراطية أقرب إلى العبث
النظري والفكري ودليل على عدم الموضوعية وإعطاء الاستدلال حقه من
النظر والتمحيص من قبل المستدلين بها حيث أنهم لم يتنبهوا إلى معادلة
مهمة في قصة محمد بن مسلمة أو قصة التجسس أو قصة الحجاج بن علاط
تبطل الاستد لال بها على ما ذهبوا إليه» وهذه المعادلة هي فقد شرط من
شروط تساوي القضيتين حتى يستدل بإحداهما على الأخرى وهذا الشرط
هو عدم معرفة العدو بتلك الخدعة» فكعب بن الأشرف لم يكن يعلم بماتم
الاتفاق عليه بين الرسول ومحمد بن مسلمة» وقريش لم تكن تعلم
.كذلك بما تم الاتفاق عليه مع الحجاج بن علاط» فعدم معرفة العدو بالقضية
يجعله يستمر في غفلته حتى يتمكن منه أهل الإسلام ويقضوا غرضهم منه
والقضية التي يحتج لها الإسلاميون!! هي قضية خداع العدو العلماني بالادعاء
بأننا موافقون على قيمه ومبادئه؛ ثم إذا وصلنا إلى السلطة نقضنا عهدنا معه
وانقضضنا على نظامه الديمقراطي» ثم هم يصرحون بكرة وعشية لأتباعهم
بأن هذا الأسلوب هو أسلوب خداع؛ ويسطرون ذلك في كتبهم مستدلين
بذلك على المانعين من هذا الأسلوب فيطلع العلماني على الاستدلال
ونقضه فيكتشف اللعبة فيمرغ الإسلاميين في وحل العلمانية والليبرالية
ويدخلهم في اختبارات متعددة ومتنوعة تهدف إلى اكتشاف مصداقية
الإسلاميين المصرحين برضاهم بالمبادئ العلمانية بطريقة المخادعة
والاستدلال بقاعدة الحرب خدعة”"".
🔴الخامس عشر: كيف يقاس عمل قصد به القضاء على الكفر على عمل
يصرح أكثر الداخلين فيه بأنه النظام الصالح للحكم وأنه خير من الدكتاتورية» بل وأنه هو الحكم المفقود منذ تولى معاوية بن أبي سفيان»
وبعبارة أخرى قصة محمد بن مسلمة تنهي الكفر من خلال قتل رأس من
رؤوسه وإمام من أئمته» وطريقكم تثبت دعوات ومبادئ أئمة الكفر وتجعلهم شرعية مثل شرعيتكم؛ بل وتعطيهم حق في مزاحمتكم إلى أن تخرجكم من
أي موقع في الحكم ليكون الحكم لهم وحدهم حيث حصلوا عليه بالأغلبية
والزامكم بالرضا بذلك» فهل يصح قياس عمل يثبت الكفر على عمل يزيله؟
🟢السادس عشر: عمل محمد بن مسلمة هو عمل جهادي جزئي من
منظومة أعمال وأحكام تشكل في مجموعها النظرية الجهادية في الإسلام» فهو من الجهاد وإلى الجهاد وهو قتل للكافرين وإعدام لذواتهم بأي طريقة يتم بها مخادعتهم حتى يتحقق ذلك» فكيف يقاس عليه الدخول في منظومة فكرية مثل النظرية الديمقراطية في السياسة والحكم والاجتماع والعلاقات الدولية قصد بها القضاء على الإسلام وتشريعاته وأحكامه وتمييع مبادئه من الولاء والبراء
والمفاصلة والقضاء على تقسيم العالم إلى دار حرب ودار إسلام» وقصد بها
حماية أصحاب المنكرات والفواحش والعقائد الإلحادية وضمان سلامة
وأمن أنفسهم وأموالهم وأعراضهم بل وإعطائهم الحق في التصريح بمعارضة
تعاليم الإسلام ومحاربة قيمه وهو نظام في مجموعه من ألد أعداء الجهاد في
سبيل الله» فكيف يقاس على الجهاد في سبيل الله ما هو أشد له مناقضة
ومعارضة ومصادمة» بل ويجعل الداخلين فيه من الإسلاميين أعداء
للمجاهدين بل وأداة للنظام في التنفير عنهم واستنكار جهادهم وأعمالهم؟
🔴السابع عشر: من قواعد الفقه الإسلامي عموماً والسياسي خصوصاً
اعتبار المآلات وإعطاء الأمور أحكام غاياتها فالوسائل لها أحكام
المقاصد”"» فإذا كان من مقاصد أعداء الإسلام من الديمقراطية القضاء على
النظام الإسلامي كما سبق» ومن مقاصدهم ترويض الدعاة على قبول منهج
التغيير الديمقراطي وتنفيرهم عن منهج التغيير الجهادي. ومن مقاصدهم
حماية المرتدين» فهل يصح لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يسعى في طريق
يحقق لهم في النهاية هذا الهدف وغيره من أهداف أعداء الإسلام المشبوهة
وما أكثرها فهل يمكن لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعتقد أن الإسلام يجوز
سلوك طريقة تؤدي في النهاية إلى مثل هذه الحال؟
🔴الثامن عشر: الهدف الواضح من سلوك هؤلاء طريق الديمقراطية هو:
استعمال مبدأ التقية'"' خوفاً من المواجهة» ولكن التقية حالة طارئة ولها
ضوابطها فلا يجوز أن تكون منهجاً تتربى عليه الأمة» وقد اتفق أهل السنة
والجماعة على بطلان مبدأ التقية عند الشيعة» ولا يخالف في نقدهم أحد فهل
يتكرم المستدلون بقصة محمد بن مسلمة أن يبينوا: لماذا ذم أهل السنة هذا
المبدأ؟ الجواب: لأنه كذب ونفاق اتخذ ديناً وعادة ومنهجاً: وهذا مايريد
المحتجون بقصة محمد بن مسلمة أن يفعلوه ويتعاملوا به مع العلمانية» وهو
تربية الأجيال من أبناء هذه الأمة على الكذب في الظاهر والاستسرار بتكذيب
أنفسهم عند أتباعهم في الباطن» وأن يكون ذلك منهجاً عمره مجهول لا يدرى
متى ينتهي» كما أن عمر التقية عند الشيعة مجهول حيث يستمر العمل بها حتى
يخرج المهدي ولا يدرى متى يخرج» ويستمر كذبهم ونفاقهم إلى حين
خروجه؛ وهكذا يستمر أهل السنة الجدد في تقيتهم وكذيهم ونفاقهم إلى أن يتم
إقامة الد.ولة الإسلامية فيرتفع عنهم الاستسرار وينكثون عهدهم جهرة وفي
وضح النهار» ويرجعون إلى حالة الصدق في التعامل والإخبار» فلا نامت أعين
الجبناء.
وهذه المنهجية لا تتفق مع المعنى المراد بالتقية المذكورة في قوله
تعال : ( { لَّا یَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَۖ وَمَن یَفۡعَلۡ ذَ ٰلِكَ فَلَیۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِی شَیۡءٍ إِلَّاۤ أَن تَتَّقُوا۟ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةࣰۗ وَیُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِیرُ }
[سُورَةُ آلِ عِمۡرَانَ: ٢٨]
وإليك نبذة عما قاله أئمة التفسير عن معنى التقية في الآية الكريمة:
قال ابن جرير (وهذا نهيٌ من الله المؤمنين أن يتخذوا الكفارٌ
أعوانًا وأنصارًا وظهورّا ولذلك كسر «يتخذ لأنه في موضع جزمٌ بالنهي»
ولكنه كسر «(الذال) منه» للساكن الذي لقيه وهي ساكنة.
ومعنى ذلك: لا تتخذوا أيها المؤمنون, الكفارٌ ظهرًا وأنصارًا توالونهم
على دينهم» وتظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين وتدلونهم على
عوراتهم؛ فإنه مَنْ يفعل ذلك «فليس من الله في شيء؛ يعني بذلك: فقد برئ
من الله وبرئ الله منه» بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر «إلا أن تتقوا منهم
تقاة»» إلا أن تكونوا في سلطانهم فتخافوهم على أنفسكم, فتظهروا لهم الولاية
بألسنتكم» وتضمروا لهم العداوة» ولا تشايعوهم على ما هم عليه من الكفر
ولا تعينوهم على مُسلم بفعل)”"".
وقال ابن كثير : وقوله: (إلا أن تتقوا منهم تقاة أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم. فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته»
كما قال البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: «إنا لنكشر في وجوه أقوام وقلوبنا
تلعنهم». وقال الثوري: قال ابن عباس: ليس التقية بالعمل إنما التقية
باللسان» وكذا رواه العوفي عن ابن عباس: إنما التقية باللسان» وكذا قال
أبو العالية وأبو الشعثاء والضحاك والربيع بن أنس. ويؤيد ما قالوه قول الله
تعالى: ( ,{ مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِیمَـٰنِهِۦۤ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَىِٕنُّۢ بِٱلۡإِیمَـٰنِ وَلَـٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرࣰا فَعَلَیۡهِمۡ غَضَبࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ }
[سُورَةُ النَّحۡلِ: ١٠٦]
وقال الإمام القرطبي: (والتقية لا تحل إلا مع خوف القتل أو القطع أو
الإيذاء العظيم)””".
وقال الإمام البغوي.: (ومعنى الآية: أن الله تعالى نهى المؤمنين عن موالاة الكفار ومداهنتهم ومباطنتهم, إلا أن يكون الكفار غالبين ظاهرين أو يكون المؤمن في قوم كفار يخافهم فيداريهم باللسان وقلبه مطمئن بالإيمان دفعاً عن نفسه من غير أن يستحل دماً حراماً أو مالا حراما أو يظهر الكفار على عورة المسلمين والتقية لا تكون إلا مع خوف القتل وسلامة النية» قال الله تعالى :إلا من أكره ) ثم هذا رخصة» فلو صبر حتى قتل فله أجر عظيم» وأنكر قوم التقية اليوم» قال معاذ بن جبل ومجاهد: كانت التقية في بدو الإسلام قبل استحكام الدين وقوة المسلمين» وأما اليوم فقد أعز الله الإسلام» فليس ينبغي لأهل الإسلام أن يتقوا من عدوهم وقال يحيى البكاء: قلت لسعيد بن جبير في أيام الحجاج: إن الحسن كان يقول لكم: التقية باللسان والقلب مطمئن بالإيمان؟ فقال سعيد: ليس في الإسلام تقية» إنما التقية في أهل الحرب)”".
كما بين أهل العلم من المفسرين وشراح الحديث المقصود من قصة محمد بن
مسلمة بما لا يدع لمرتاب أدنى شبهة أو شك.
قال الإمام البغوي في شرح السنة: (قد ذهب بعض من ضل في رأيه» وزل
عن الحق؛ إلى أن قتل كعب بن الأشرف كان غدراً وفتكاً فأبعد الله هذا القائل
وقبح رأيه من قائل» ذهب عليه معنى الحديث والتبس عليه طريق الصواب»
بل قد روي عن أبي هريرة؛ عن النبي أنه قال: الإيمان قيد الفتك. لا
يفتك مؤمن. قال الإمام: والفتك أن يقتل من له أمان فجأة» وكان كعب بن
الأشرف ممن عاهد رسول الله أن لا يعين عليه أحداً ولا يقاتله. ثم خلع
الأمان» ونقض العهد. ولحق بمكة» وجاء معلناً معاداة النبي يهجوه في
أشعاره» ويسبه» فاستحق القتل لذلك).
وقال الإمام النووي: ذكر مسلم فيه قصة محمد بن مسلمة مع كعب بن
الأشرف بالحيلة التي ذكرها من مخادعته. واختلف العلماء في سبب ذلك
وجوابه» فقال الإمام المازري: إنما قتله كذلك لأنه نقض عهد النبي
وهجاه وسبه وكان عاهده أن لا يعين عليه أحداً ثم جاء مع أهل الحرب معيئاً
عليه. قال: وقد أشكل قتله على هذا الوجه على بعضهم ولم يعرف الجواب
الذي ذكرناه. قال القاضي: قيل هذا الجواب. وقيل: لأن محمد بن مسلمة لم
يصرح له بأمان في شيء من كلامه وإنما كلمه في أمر البيع والشراء واشتكى
إليه وليس في كلامه عهد ولا أمان. قال: ولا يحل لأحد أن يقول: إن قتله كان
غدراً وقد قال ذلك إنسان في مجلس علي بن أبي طالب فأمر به علي
فضرب عنقه» وإنما يكون الغدر بعد أمان موجوداً وكان كعب قد نقض
عهد النبي ولم يؤمنه محمد بن مسلمة ورفقته ولكنه استأنس مهم فتمكنوا
منه من غير عهد ولا أمان» وأما ترجمة البخاري على هذا الحديث ب"باب
الفتك" في الحرب فليس معناه الحرب بل الفتك هو القتل على غرة وغفلة
والغيلة نحوه» وقد استدل بهذا الحديث بعضهم على جواز اغتيال من بلغته
الدعوة من الكفار وتبييته من غير دعاء إلى الإسلام. قوله: "ائذن لي فلأقل"
معناه: ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره. ففيه
دليل على جواز التعريض وهو أن يأتي بكلام باطنه صحيح» ويفهم منه
المخاطب غير ذلك؛ فهذا جائز في الحرب وغيرها مالم يمنع به حقاً
شرعيا. قوله: "وقد عنانا" هذا من التعريض الجائز بل المستحب؛ لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب لكنه تعب في مرضاة الله تعالى؛
فهو محبوب لنا والذي فهم المخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب. قوله:
(وأيضاً والله لتملنه) هو بفتح التاء والميم؛ أي: يتضجرن منه أكثر).
وقال ابن بطال في شرح صحيح البخاري: (فيه: جَابر قَالَ صلى الله عليه وسلم من لكعب
بن الأشرف فقال محمد من مسلمة: أتحب أن أقتله ؟ قال: نعم قال: فأذن لي
فأقول» قال قد فعلت). الفتك في الحرب على وجهين: احدهما محرم والثاني
جائز» فالفتك الذي يحرم به الدم أن يصرح بلفظ يفهم منه التأمين. فإذا أمنه
فقد حرم بذلك دمه والغدر به» وعلى هذا جماعة العلماء؛ وأما الوجه المباح
منه فهو أن يخادعه بألفاظ هي معاريض غير تصريح بالتأمين» فهذا يجوز؛ لآن
الحرب خدعة. واختلف في تأويل قتل ابن الأشرف على وجوه:
فقيل: إن قتله هو من هذا الباب المباح؛ لأن ابن مسلمة لم يصرح له بشي.ء
من لفظ التأمين» وإنما أتاه بمعاريض من القول فيجوز هذا أن يسمى: فتكًا
على المجاز. وفيه وجه آخر قاله بعض شيوخنا قال: إن قتل ابن الأشرف هو
من باب أن من آذى الله ورسوله قد حل دمه. ولا أمان له يعتصم به فقتله
جائز على كل حال؛ لأن الرسول إنما قتله بوحي من الله وأذن في قتله
فصار ذلك أصلاً في جواز قتل من كان لله ولرسوله حربّا عن الطبري. قال
غيره: ألا ترى لو أن رجلاً أدخل رجلاً مشركًا في داره فأمنه فسب عنده النبي
حل بذلك للذي أمنه قتله» ونحو هذا ما حكاه ابن حبيب» قال: سمعت
المدنيين من أصحاب مالك يقولون: إنما تجب الدعوة لكل من لم يبلغه
الإسلام ولا يعلم ما يقاتل عليه فأما من قد بلغه الإسلام وعلم مايدعى
إليه» ومن حارب وحورب مثل الروم والإفرنج» فالدعوة فيما بيننا وبينهم
مطرحة ولا بأس بتبييت مثل أولئك بالغارة وتصبيحهم, وانتهاز الفرصة فيهم
بلا دعوة» وقد بعث رسول الله عبد الله بن أنيس الجهني إلى عبد الله بن نبيح
الهذلي فاغتاله بالقتل وهو بعرفة من جبال عرفة» وبعث نفرًا من الأنصار إلى
ابن أبي الحقيق» وإلى كعب بن الأشرف فهجموا عليهما بالقتل في بيوتهما
بخيبر. فلا يجوز أن يقال: إن ابن الأشرف قتل غدرًا لأنه لم يكن معاهدّا ولا كان من أهل الذمة» ومن قال: إنه قتل غدرًا فهو كافر ويقتل بغير استتابة؛ لأنه تنقص النبي ورماه بكبيرة» وهو الغدر» وقد نزهه الله عن كل دنية» وطهره من كل ريبة. ألا ترى قول هرقل لأبي سفيان: سألتك:
هل يغدر؟ فزعمت أن لا وكذلك الرسل لا يغدرون وإنما قال هذا هرقل
لأنه وجد في الإنجيل صفته» وصفة جميع الأنبياء أنه لايجوز عليهم
صفات النقص؛ لأنهم صفوة الله وهم معصومون من الكبائر» والغدر كبيرة»
وسيأت في كتاب الرهون في باب رهن السلاح زيادة في معنى قتل كعب بن
الأشرف إن شاء الله. وروى في الأثر أن تاس السبائي قال في مجلس علي بن أبي
طالب: إن ابن الأشرف قتل غدرًا. فأمر به علي فضرب عنقه. وقد قال
مالك: من تنقص النبي فإنه يقتل» ومن قال: إن زر النبي َ وسخة يريد
بذلك الإزراء عليه.
أقول: بعد أن سقنا القصة وكلام العلماء عليها فإننا نقول لمن استدل
بهذه القصة على الدخول في الديمقراطية: إما أن يكون موضع الشاهد هو ما
يتوهم أنه يفهم من القصة أنها تفيد غدرا وقد سمعت كلام العلماء فيمن
فهم ذلك أو قاله واعتقده» ومن ثم فلا يجوز الاستدلال بها على الغدر بقوانين
الديمقراطية من جهة الإسلاميين بعد الموافقة عليها من قبلهم؛ لأنه لا يجوز
الموافقة عليها أصلاً وابتداءً» وقصة محمد بن مسلمة لا تفيد شيئاً من ذلك
كما ذكر العلماء.
وإما أن يكون موضع الشاهد مايتوهم أنه كلام في النبي وقد سمعت أن القصة لا تفيد شيئاً من ذلك؛ لأن لفظ "عنانا" يقصد به معنى صحيح. وقد يفهم منه من فهم معنى التضجر والشكوى والعيب من فهمه
وليس من المتكلم. قال النووي كما سبق قوله: (وقد عنانا): هذا من
التعريض الجائز بل المستحب؛ لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع
التي فيها تعب لكنه تعب في مرضات الله تعالى فهو محبوب لنا والذي فهم
المخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب.
أقول: فأين هذا من الدخول في الديمقراطية المشتملة على قواعد وأصول
وقيم والتزامات لا يمكن أن ينطبق عليها مثل هذا التعريض'".
الكلام نعم طويل ولكن فيه التفصيل لمن أراد أن ينتفع بالدليل والسلام ختام
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام