كيفية الرد التحاكم يجوز اضطرارًا لعدم وجود محكمة شرعية، والشريعة لا تترك الحقوق تضيع دون أن يكون لها حكم في مثل هذا الواقع؟
> أصول في علم الأصول:
-
قولهم: التحاكم يجوز اضطرارًا لعدم وجود محكمة شرعية، والشريعة لا تترك الحقوق تضيع دون أن يكون لها حكم في مثل هذا الواقع.
الجواب عليها من وجوه:
1. إذا تقرر أن التحاكم عبادة، فإن العبادة لا يجوز أن تصرف لغير الله تعالى، لا لضرورة ولا لغير ضرورة، لأن الشرك والكفر لا يُباح بالضرورة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
المحرمات قسمان: أحدهما: ما يقطع بأن الشرع لم يبح منه شيئًا لا لضرورة ولا لغير ضرورة، كالشرك والفواحش والقول على الله بغير علم والظلم المحض، وهي الأربعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
2. من يجيز التحاكم للمحاكم الوضعية ضرورة، إن كان مقرًّا بأن التحاكم عبادة، فهو سيضطرب، لأنه سيمنع صرف غيره من العبادات لغير الله ضرورة، كالدعاء والسجود. ولا يمكنه طرد قوله وعدم إطراد الأصل على كل الصور، فذلك دليل على فساده، لأن الأصل الذي بني عليه هذا الحكم، عنده، أن الاضطرار أباح صرف عبادة التحاكم لغير الله. وطرده بأن يقول بجواز ذلك في كل ما صح عليه وصف العبادة، أي يجاز صرفها لغير الله حالة الاضطرار، وهو لا يقول بذلك، وهذا يرجع على أصله بالإبطال.
إلا أن يقول التحاكم ليس عبادة، وهذا يبطل قوله أيضًا، لأنه إن لم يكن عبادة، كيف يجعله محرّمًا في الأصل ثم يجيزه اضطرارًا؟ فالتحريم حكم شرعي وامتثاله عبادة. ومما يدل على أن الله تعالى جعل التحاكم عبادة، أنه أمر بالكفر بالطاغوت وترك التحاكم له، في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾ (1). فحكم التحاكم للطاغوت التحريم، ومرتبة تحريمه داخلة في أصل الإيمان، الذي يُنفى الإيمان عمن أخل به، ولذلك نفى الإيمان عمن ترك التحاكم له وتحاكم للطاغوت. والأمر والنهي هو حد العبادة شرعًا.
3. أن إظهار الكفر والشرك لم يجزه الله تعالى إلا للمكره إكراهًا حقيقيًا ملجأ، قال ابن حجر: وشروط الإكراه أربعة:
الأول: أن يكون فاعله قادرًا على إيقاع ما يهدد به، والمأمور عاجز عن الدفع ولو بالفرار.
الثاني: أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك.
الثالث: أن يكون ما هدده به فوريًا، فلو قال: "إن لم تفعل كذا سأضربك غدًا" لا يعد مكرهًا، ويستثنى ما إذا ذكر زمنًا قريبًا جدًا أو جرت العادة بأنه لا يخلف.
الرابع: أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره، كمن أُكره على الزنا فأُلج وأمكنه أن ينزع ويقول: أنزلت، فيتمادى حتى ينزل.
> أصول في علم الأصول:
وبهذه الشروط يخالف الإكراهُ الضرورةَ؛ فالمتحاكم للضرورة ليس مهدَّدًا على التحاكم، وهو قادر على الدفع عن نفسه بغير التحاكم، وهو مختار في فعله غير مجبَر، فبطل قول من جعل صورة الضرورة كصورة الإكراه.
4. قولهم: إن الشريعة لا تترك حقوق الناس تضيع، نقول: نعم، لم تترك هذه الحالة دون حكم في شرع الله، بل أوجبت جهاد الطواغيت الذين يحكمون بالقوانين الوضعية لاسترداد الحقوق، وأعلاها حق تحكيم الشريعة. لكن الناس، كثيرٌ منهم، قد ترك هذا الواجب، وأخلد إلى الأرض، وذهب يبحث عن أعذار يكيف بها عيشه في هذا الواقع، قاعدًا عن جهاد الطواغيت، وما ضياع حقوقهم إلا بسبب قعودهم.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله:
ومن ذلك أنه إذا قيل لأهل الطاغوت: ارجعوا إلى حكم الله ورسوله، واتركوا أحكام الطواغيت، قالوا: إنا لا نفعل ذلك إلا خوفًا من أن يقتل بعضُنا بعضًا، فإني إذا لم أوافق صاحبي على التحاكم إلى "شرع الرفاقة" قتلني أو قتلته.
فالجواب أن نقول: يظهر فساد هذه الشبهة الشيطانية بتقرير ثلاثة مقامات:
المقام الأول: أن الفساد الواقع في الأرض من قتل النفوس ونهب الأموال إنما هو بسبب إضاعة أوامر الله وارتكاب نواهيه، كما قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾. أخبر تعالى أن ظهور الفساد في البادية والحاضرة سببه أعمالهم، فلو أنهم عبدوا ربهم وحكَّموا نبيهم ﷺ لصلحت أحوالهم ونمت أموالهم وأنفسهم. اهـ
5. لا يصح القول بأن مقاصد الشريعة في حفظ أموال الناس وأنفسهم تبيح لهم التحاكم إلى القوانين الوضعية عند ضياع هذه الحقوق بدعوى ضرورة استردادها؛ لأن أعلى مقاصد الشريعة هو حفظ الدين، وأصله التوحيد، وهو مقدم على كل مقصد، فلا يُؤخَّر ويُقدَّم غيرُه بدعوى الضرورة، بل ذَهاب المال أولى من ضياع الدين بالتحاكم للطاغوت.
قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله في جوابه على من أتى بالشبهة السابقة:
المقام الثاني: أن يقال: إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل، قال تعالى: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، والفتنة هي الكفر. فلو اقتتلت البادية والحاضرة حتى يذهبوا لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتًا يحكم بخلاف شريعة الإسلام التي بعث الله بها رسوله ﷺ.
المقام الثالث: أن نقول: إذا كان هذا التحاكم كفرًا، والنزاع إنما يكون لأجل الدنيا، فكيف يجوز لك أن تكفر لأجل ذلك؟ فإنه لا يؤمن الإنسان حتى يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وحتى يكون الرسول أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين.
فلو ذهبت دنياك كلها، لما جاز لك المحاكمة إلى الطاغوت لأجلها، ولو اضطرك مضطر وخيَّرك بين أن تحاكم إلى الطاغوت أو تبذل دنياك، لوجب عليك البذل، ولم يجز لك التحاكم إلى الطاغوت. اهـ
6. أن من يعلّق جواز التحاكم للمحاكم الوضعية بعدم وجود محاكم شرعية، فقد أخطأ في تنقيح مناط الكفر في التحاكم، فإن التحاكم كفر لأنه صرف عبادة لغير الله، والمتحاكم للقانون مطيع له ملتزم، وإلا لما ذهب للتحاكم، وهذه الطاعة شرك بالله تعالى، وهي كفر في كل حال، سواء وُجدت محكمة شرعية أم لم توجد.
والقول بعدم إمكان استرداد الحقوق إلا عن طريق المحاكم الوضعية، وأن هذا ضرورة، قول باطل؛ لوجود طرق أخرى يمكن رد الحقوق بها دون التحاكم للمحاكم الوضعية، كتحكيم أهل العلم والحكمة أو أهل الخير والصلاح، ولا يخلو منهم بلد ولله الحمد. فليست هنالك ضرورة للتحاكم إلى المحاكم الوضعية إذًا.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام