هداية.

كيفية التثبت قبل الحكم على الناس؟

📂 فقه #عام

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:

من أعظم القيم التي جاء بها الإسلام: التثبت والتبين قبل إطلاق الأحكام على الناس، وعدم التسرع في وصف أحد بالكذب أو النفاق أو غيرها من الصفات بغير بيّنة واضحة.

قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾.

وهذا أصل عظيم يحمي المجتمع من الفوضى والاتهامات الباطلة، ويمنع انتشار الظنون التي لا دليل عليها.

وقد قال النبي ﷺ: (كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ).

فمجرد نقل الكلام دون تثبت قد يُوقع صاحبه في الكذب وهو لا يشعر، ويؤدي إلى ظلم الناس والافتراء عليهم.

وفي حديث عمر (إنما كانوا يؤخذون بالوحي على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم)

فالحكم على الناس يكون بالظاهر البيّن لا بالظنون والخواطر، وأمر القلوب مردّه إلى الله تعالى.

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى رجالٌ أموال قومٍ ودماءهم، لكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر))؛ حديث حسنٌ، رواه البيهقي وغيره هكذا، وبعضه في الصحيحين

قال النووي: وهذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع، ففيه أنه لا يُقبَل قول إنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة، أو تصديق المدَّعَى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك

من أول مزالق عدم التثبت سوء الظن، ولذلك يقال -: ليس لك أن تعتقد في غيرك سوءا إلا إذا انكشف لك بعيان لا يقبل التأويل.

ثم ينحدر الظان إلى مزلق آخر، وهو إشاعة ظنه ذاك، وقد نقل الشوكاني عن مقاتل بن حيان قوله: فإن تكلم بذلك الظن وأبداه أثم. وحكى القرطبي عن أكثر العلماء: أن الظن القبيح بمن ظاهره الخير لا يجوز. وقيل: اعلم أن سوء الظن حرام، مثل سوء القول.. فلا يستباح ظن السوء إلا بما يستباح به المال، وهو بعين مشاهدة أو بينة عادلة.

ويقول ابن قدامة رحمه الله: فليس لك أن تظن بالمسلم شرا إلا إذا انكشف أمر لا يحتمل التأويل، فإن أخبرك بذلك عدل، فمال قلبك إلى تصديقه، كنت معذورا... ولكن أشار إلى قيد مهم فقال: بل ينبغي أن تبحث هل بينهما عداوة وحسد؟.

ويروى أن سليمان بن عبد الملك قال لرجل: بلغني أنك وقعت في وقلت كذا وكذا. فقال الرجل: ما فعلت. فقال سليمان: إن الذي أخبرني صادق. فقال الرجل: لا يكون النمام صادقا. فقال سليمان: صدقت.. اذهب بسلام.

والفطن من يميز بين خبر الفاسق وخبر العدل، ومن يفرق بين خبر عدل عن ند له، أو عمن يحمل له حقدا، وبين شهادة العدل المبرأة من حظ النفس، ومن يميز بين خبر العدل وظن العدل، والظن لا يغني شيئا، ومن يفرق بين خبر دافعه التقوى، وخبر غرضه الفضيحة أو التشهير.

والذي لم يتخلق بخلق (التثبت) تجده مبتلى بالحكم على المقاصد والنوايا والقلوب، وذلك مخالف لأصول التثبت. يقول الشافعي – ووافقه البخاري -: الحكم بين الناس يقع على ما يسمع من الخصمين، بما لفظوا به، وإن كان يمكن أن يكون في قلوبهم غير ذلك.

ومن أخطر المزالق أن يحسن الأمير الظن برجل من الناس ليس أهلا للثقة، ثم يكون أسيرا لأخباره، أذنا لأقواله، يصغي إليه ويصدقه. يقول ابن حجر: المصيبة إنما تدخل على الحاكم المأمون من قبوله قول من لا يوثق به، إذا كان هو حسن الظن به، فيجب عليه أن يتثبت في مثل ذلك.

ومن أصول التثبت ألا يؤخذ أحد بالقرائن، طالما هو ينكر ولا يقر. وشواهد ذلك في السنة كثيرة، ومنها ما رواه ابن ماجة بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لو كنت راجما أحدا بغير بينة، لرجمت فلانة، فقد ظهر فيها الريبة، في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها". ومع ذلك لم يرجمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنها لم تقر، ولم يقذفها بلفظ الزنا.

خذها قاعدة:

لا يجوز اتهام مسلم بالكذب أو النفاق أو الخداع إلا ببينة واضحة.

الظنون لا تُبنى عليها أحكام، قال تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.

الأصل في المسلم السلامة حتى يثبت خلاف ذلك.

أسئلة ذات صلة

هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.

ابدأ عبر تيليغرام