عندما تُقرر أصلاً من الأصول، كوجوب الهجرة من ديار الكفر مثلًا، يبدؤون بالسخرية منك: لماذا لم تهاجر؟ لماذا كذا؟
ألا يقول هذا الصنف من الناس إن الصيام واجبٌ والزكاة واجبة؟ هل يعتقدون أن التفصيل في هذه الواجبات، وإسقاط وجوبها في بعض الحالات، وذكر المستحب منها والمحرم، يُعدّ تناقضًا مع وجوبها من حيث الأصل؟!
وهذا الخلل المنهجي هو نفسه الذي يبني عليه الغلاة والمرجئة، اليوم، ضلالهم.
فالغلاة يرون تفصيل العمومات تعطيلًا لها وتناقضًا معها؛ فلا يفصلون فيها، ويتهمون مَن ذكر شروطها وموانعها بالإرجاء، ويقولون: "التفريق بين الحكم العام وفاعله بدعة"؛ لسفاهة عقولهم! ولو طُبِّقت قاعدتهم هذه على أرض الواقع لفسد العالم، ولما احتيج للقضاء وتعقيداته؛ إذ يقع الحكم مباشرةً على من جنى دون تفصيل.
وأما المرجئة، فيستخدمون التفصيل في العمومات لتعطيلها؛ فيجحدونها وينكرون على من أثبتها، ويتهمونه بالغلو والخارجية؛ فلأجل وجود الموانع والشروط ينكرون النواقض من حيث الأصل!
فيا إخواني، إثبات العمومات لا يتناقض مع التفصيل، هذه خذوها قاعدة؛ لأنها ستعينكم على فهم الكثير من ضلالات العصر واجتنابها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "من فصيح الكلام وجيده الإطلاق والتعميم عند ظهور قصد التخصيص والتقييد، وعلى هذه الطريقة الخطاب الوارد في الكتاب والسنة وكلام العلماء، بل وكل كلام فصيح، بل وجميع كلام الأمم؛ فإن التعرض عند كل مسألة لقيودها وشروطها تعجرف وتكلف، وخروج عن سنن البيان وإضاعة للمقصود، وهو يعكر على مقصود البيان بالعكس" [ تنبيه الرجل العاقل ].
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام