بَيانُ حُكْمِ تَارِكِ الصَّلَاةِ فِي ضَوْءِ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَقْوَالِ العُلَمَاءِ ؟
تُعَدُّ الصَّلَاةُ الرُّكْنَ الثَّانِيَ مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ الْعَمُودُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ دِينُ الْمُسْلِمِ، وَقَدْ تَوَاتَرَتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِهَا وَخُطُورَةِ التَّهَاوُنِ فِيهَا.
من القرآن الكريم: استدل العلماء بقوله تعالى: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا ﴾ [مريم: 59]. وأيضاً قوله تعالى في وصف المجرمين في سقر: ﴿ مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴾ [المدثر: 42-43].
أولاً: الأَدِلَّةُ مِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ
وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ تُبَيِّنُ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ حَدٌّ فَاصِلٌ بَيْنَ الْإِيمَانِ وَالْكُفْرِ، مِنْهَا:
عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: « إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلَاةِ » 📚رَوَاهُ مُسْلِمٌ، حَدِيثُ رَقْم 82.
عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: « الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ » 📚رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، حَدِيثُ رَقْم 2621، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ثانياً: أَقْوَالُ الأَئِمَّةِ وَالعُلَمَاءِ
1. الإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ:
ذَهَبَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ إِلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ تَهَاوُنًا وَكَسَلًا يَكْفُرُ كُفْرًا أَكْبَرَ، وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، مُسْتَدِلًّا بِظَوَاهِرِ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ. (المصدر: المغني لابن قدامة).
2. شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ:
فَرَّقَ بَيْنَ مَنْ تَرَكَ جِنْسَ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَمَنْ تَكَاسَلَ عَنْ بَعْضِهَا، وَقَرَّرَ أَنَّ مَنْ امْتَنَعَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى قُوتِلَ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يَكْفُرُ، وَقَالَ: "فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُصَلِّ قَطُّ، فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ إيمَانٌ أَصْلًا... وَهَذَا كَافِرٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ". (المصدر: مجموع الفتاوى).
3. الإِمَامُ ابْنُ القَيِّمِ:
أَكَّدَ فِي كِتَابِهِ "الصَّلَاةُ وَحُكْمُ تَارِكِهَا" أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ يُخْرِجُ صَاحِبَهُ مِنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ، مُسْتَنِدًا إِلَى إِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَسْجُدْ لِلَّهِ سَجْدَةً قَطُّ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ فِي قَلْبِهِ إِيمَانٌ. (المصدر: الصلاة وحكم تاركها).
4. الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ:
أَوْضَحَ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ مَسْأَلَةَ تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ مَسْأَلَةٌ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعُلَمَاءِ احْتَجُّوا بِالْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَمِّ مَنْ أَضَاعَ الصَّلَاةَ لِتَكْفِيرِ مَنْ تَرَكَهَا كُلِّيَّةً. (المصدر: تفسير القرآن العظيم).
1-الْمَذْهَبُ الْحَنْبَلِيُّ:
الْحُكْمُ: هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً مُتَعَمِّدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا فَقَدْ كَفَرَ.
التَّفْصِيلُ: يَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ اسْتِتَابَتُهُ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ وَصَلَّى وَإِلَّا قُتِلَ حَدًّا، وَلَا يُغَسَّلُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ السَّلَفِ:
نُقِلَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ الْعُقَيْلِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ مَنْصُورٌ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ.
2-الْمَذْهَبُ الْحَنَفِيُّ:
الْحُكْمُ: لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِهَا، بَلْ يَفْسُقُ.
التَّفْصِيلُ: يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ ( يُسْجَنُ ) حَتَّى يُصَلِّيَ، وَلَا يُقْتَلُ قَتْلَ الْمُرْتَدِّ، بَلْ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمُسْلِمِ الْعَاصِي.
3-الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ:
الْحُكْمُ: لَا يَكْفُرُ، بَلْ هُوَ فَاسِقٌ.
التَّفْصِيلُ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يُصَلِّيَ قُتِلَ ( مُحَارَبَةً أَوْ حَدًّا )، لَكِنْ يُقْتَلُ وَهُوَ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَيُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
4-الْمَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ:
الْحُكْمُ: لَا يَكْفُرُ بِالتَّرْكِ (مَا لَمْ يَجْحَدْ وُجُوبَهَا).
التَّفْصِيلُ: يُسْتَتَابُ، فَإِنْ أَبَى قُتِلَ حَدًّا، كَالْمَالِكِيَّةِ، يُغَسَّلُ وَيُكَفَّنُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وَيُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
خُلَاصَةُ الْفَرْقِ الجَوْهَرِيِّ:
مَنْ قَالَ بِالْكُفْرِ (الْحَنَابِلَةُ): يَرَوْنَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ يَنْقُضُ عِصْمَةَ الدَّمِ وَالْمَالِ، وَيُخْرِجُ صَاحِبَهُ مِنَ الْمِلَّةِ تَمَامًا، فَلَا يَرِثُ وَلَا يُورَثُ، وَلَا تَنْكِحُهُ مُسْلِمَةٌ.
مَنْ قَالَ بِالْفِسْقِ (الْجُمْهُورُ): يَرَوْنَ أَنَّ الصَّلَاةَ رُكْنٌ عَظِيمٌ، لَكِنَّ تَرْكَهَا كَسَلًا لَا يُزِيلُ أَصْلَ الْإِيمَانِ، فَصَاحِبُهَا يَبْقَى دَاخِلَ الدَّائِرَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَإِنْ كَانَ عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ وَمُعَرَّضًا لِلْعُقُوبَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَالْأُخْرَوِيَّةِ.
يَجْمَعُ كُلُّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهَا جُحُودًا (بِمَعْنَى أَنْكَرَ وُجُوبَهَا فَقَالَ: لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ)، فَإِنَّهُ كَافِرٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَهُوَ مُرْتَدٌّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ.
خَاتِمَةٌ:
يَتَبَيَّنُ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ مَسْأَلَةَ تَارِكِ الصَّلَاةِ أَمْرٌ جَلَلٌ يَسْتَوْجِبُ الْحَذَرَ الشَّدِيدَ. فَبَيْنَمَا ذَهَبَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الْأَعْلَامُ إِلَى تَغْلِيظِ الْحُكْمِ وَاعْتِبَارِ التَّارِكِ كَافِرًا ( مَا لَمْ يَتُبْ )، ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ فَاسِقٌ عَاصٍ يَنْبَغِي أَنْ يُعَزَّرَ وَيُؤَدَّبَ حَتَّى يَعُودَ إِلَى الصَّلَاةِ. وَالْقَدْرُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْجَمِيعِ هُوَ وُجُوبُ مُنَاصَحَتِهِ، وَتَخْوِيفِهِ بِاللَّهِ، وَحَثِّهِ عَلَى الْعَوْدَةِ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِ، فَالصَّلَاةُ هِيَ عِمَادُ الدِّينِ، وَبِصَلَاحِهَا يَصْلُحُ سَائِرُ الْعَمَلِ.
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام