أحتاج نصيحة فأمي قد تتعب إذا نفرت للجهاد وأهلي يخالفونني في أمور كثيرة ويضغطون علي لاتزوج وأخاف إن تزوجت أن اركن للدنيا واترك الجهاد وطلب العلم؟
الحمد لله وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه
وبعد؛
فقد قال ربنا جل وعلا
(إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم)
وقال (إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم)
وسبب نزولها في الصد عن الهجرة والجهاد كما ذكر القرطبي وغيره عن ابن عباس : نزلت هذه الآية بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي ; شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم جفاء أهله وولده ; فنزلت .
ذكره النحاس .
وحكاه الطبري عن عطاء بن يسار قال : نزلت سورة " التغابن " كلها بمكة إلا هؤلاء الآيات : " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم " نزلت في عوف بن مالك الأشجعي كان ذا أهل وولد , وكان إذا أراد الغزو بكوا إليه ورققوه فقالوا : إلى من تدعنا ؟ فيرق فيقيم ; فنزلت : " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم " الآية كلها بالمدينة في عوف بن مالك الأشجعي .
وبقية الآيات إلى آخر السورة بالمدينة .
وروى الترمذي عن ابن عباس - وسأله رجل عن هذه الآية " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " - قال : هؤلاء رجال أسلموا من أهل مكة وأرادوا أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم , فأبى أزواجهم وأولادهم أن يدعوهم أن يأتوا النبي صلى الله عليه وسلم , فلما أتوا النبي صلى الله عليه وسلم رأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوهم ; فأنزل الله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم " الآية .
هذا حديث حسن صحيح .
قال القاضي أبو بكر بن العربي : هذا يبين وجه العداوة ; فإن العدو لم يكن عدوا لذاته وإنما كان عدوا بفعله .
فإذا فعل الزوج والولد فعل العدو كان عدوا , ولا فعل أقبح من الحيلولة بين العبد وبين الطاعة .
وفي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( إن الشيطان قعد لابن آدم في طريق الإيمان فقال له أتؤمن وتذر دينك ودين آبائك فخالفه فآمن ثم قعد له على طريق الهجرة فقال له أتهاجر وتترك مالك وأهلك فخالفه فهاجر ثم قعد له على طريق الجهاد فقال له أتجاهد فتقتل نفسك فتنكح نساؤك ويقسم مالك فخالفه فجاهد فقتل , فحق على الله أن يدخله الجنة ) .اهـ من تفسير القرطبي
وقال الله تعالى (قل إن كان اباؤكم وابناؤكم وازواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في
سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين)
وقال نبيك صلى الله عليه وسلم " الولد مجبنة مبخلة "
والدنيا تتزين للراغبين فيها فتذلهم، وتأتي راغمة للزاهدين فيها وتعزهم، وكم من شجاع مقدام جبُن وتقهقر بعد وطء الزوجة المَدام، وملاعبة البنات والصبيان، وكم من طالب علم مثابر طموح جهِل وتجاهل بعد الشغل بالنكاح،
فاغتنم فراغك قبل شغلك، وغناك قبل فقرك، وصحتك قبل مرضك، وشبابك قبل هرمك، وإقبالك على الآخرة قبل إقبال الدنيا عليك، واستعلاءك على هواك قبل عتوّه عليك، وقيادك لنفسك قبل جموحها منك،
فالبدار البدار والنجاة النجاة والسلامة لا يعدلها شيء فإن من لقي الله بغير أثر من جهاد لقيه وفيه ثلمة،
واعلم يا غالي أن طرق الجهاد كثيرة بين نفير وهجرة إلى الساحات وخطوط التماس، واستشهاد وانغماس، وتمويل وإمداد بما هو للجهاد أساس، وإعلام يراغم إبليس وينقذ من شراكه الناس، وانفراد واحتطاب، وسلب وتخريب، وحرق ودهس، وطعن وكتم أنفاس، وخنق وسم مدسوس، فاختر لنفسك ما يسهل عليك، واطرد عنك الوسواس، وإياك والقعود، واعلم أن من قدر على الجهاد بالنفس فرضي بجهاد الكلام وقنع به دون زفر مسك الكلوم فهو مغبون محروم، ومضيع نفسه وحظه مهضوم، وعما قريب يندم عند معاينة منازل السابقين، فاربأ بنفسك عن منازل المتثاقلين إلى الأرض، ولا تقنع بما دون الثريا، واعلم أن الموت هو الموت، سواء على ظهر السبوح في الساح، أو فوق بطن امرأة في لذيذ وِطاءٍ ونكاح، كلٌ يقطع الحياة وينهيها في هذه الدار، إلا أن الموت في سبيل الله لا تجد من مسه إلا كمس القرصة!
فقل لي بربك من الذي يبيع هذا ويشتري ذا؟!
فاختر لنفسك ما تشاء وترتضي
إن الذي فطر السماء يغارُ
فَالقعُود عن الجهَاد في حَال تعيّنِه هو معصيَة للّٰـه تعَالى، ولا طَاعَة لمَخلُوق في معصيَة الخَالق، فطَاعَة الوَالدَين من طاعَة اللّٰـه تعَالى، فإن أمرَا بالمعصيَة فلا طاعَة لهما فِي ذلِك، فلا ينبغي أن يَكون البرُّ سببًا في تركِ مَا أمر اللّٰـه به أو الوقوع فيمَا نهى عَنه.
وجَاء في ذلك مَا رواه الإمام مسلِم في صَحيحه عن مصعَب بنِ سَعد بن أبي وقَّاص عن أبيه رضيَ اللّٰـه عَنه: أنَّه نزلَت فيه آيَات من القُرآن قَال حلفتْ أمّ سعدٍ أن لا تكلِّمه أبدًا حتَّى يكفرَ بدينِه، ولا تأكُل ولا تشرَب، قالت: زعمتَ أنَّ اللّٰـه وصَّاك بوالدَيك، وأنا أمُّك، وأنا آمركَ بهذَا، قال: مكثَتْ ثلاثًا حتى غُشيَ عليهَا من الجهد، فقام ابنٌ لهَا يقال له عمَارة، فسقَاها، فجعَلت تدعو على سَعد، فأنزل اللّٰـه عز وجل في القُرآن هذه الآيَة: ﴿وَوَصَّيْنَا ٱلْإِنسَٰنَ بِوَٰلِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَٰهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِى مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَآ﴾ ومع هَذا، فينبغي أن تَكون هذه المخَالفة لأمر الأبَوين بالحسنَى، ويحاول المسلم أن يقنعهما بأمر اللّٰـه تعالى بالحكمَة والموعظَة الحسنَة، لعل اللّٰـه يهديهمَا ببركَة التزامه بما أمرَه اللّٰـه تعَالى به من برّهما..
اللهم يسر لنا ولإخواننا سبل الهجرة والنفير وهيء لنا وسائل نصرتك والتنكيل بعدوك يا قدير يا كريم
أسئلة ذات صلة
هل لديك سؤال لم تجد جوابه؟ تواصل مع خدمة هداية عبر تيليغرام واطرح سؤالك بسرية تامة.
ابدأ عبر تيليغرام